تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
وسجد موسى لربّه ، ودعا واستغفر ، ووقف الذين معه قريبا من الجبل ، ولم يصعدوا عليه ، لأنّهم نهوا عن ذلك ، ودخل موسى في الغمام الّذي ظلّل الجبل ، فكان الغمام مجلّلا ساترا .
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ :
لقد زلزل اللّه عزّ وجلّ الأرض من تحت بني إسرائيل الذي حضروا مع موسى ، فأخذتهم رجفة الأرض ، أي : قبضتهم جميعا ، وهزّتهم معها ، وأخذت قلوبهم رجفة الرّعب من الموت ، ومن دفنهم أحياء في شقوق الأرض . ويظهر أنّ اللّه جلّت حكمته شاء أن يعطيهم بهذه الرّجفة درسا تربويّا عمليّا ، يشعرهم فيه أنّه لو زاد هذه الرّجفة زيادة قليلة لأهلكهم بها ، ولدفنهم في باطن الأرض الّتي يقفون عليها ، فإذا كانوا قد خافوا على أنفسهم من جماهير قومهم الّذين اتّخذوا العجل وعبدوه ، فلم يأخذوا على أيديهم بالقوّة ، فاللّه أحقّ أن يخشوه ، لأنّه قادر - جلّ جلاله وعزّ سلطانه - على أن يمحوهم من الوجود كلّه بطرفة عين ، أو بأقلّ من ذلك . عندئذ خاف موسى عليه السلام على صفوة قومه أن يدفنوا في الأرض بهذه الرّجفة التأديبيّة التّربويّة ، ولم يكن يعلم أنّها لتأديبهم وتربيتهم بصورة عمليّة مرهبة ، فتوجّه لربّه داعيا ملتجئا :
قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا . . . ؟ ؟
( 155 ) إنّ الحدّة في طبع موسى الفطريّ لم تمكّنه من أن يصبر قليلا ، ليرى أثر الرّجفة ، وليدرك أنّ المقصود بها تأديبهم ، وتربيتهم ، لا إهلاكهم ، والغرض من هذا التأديب أن لا يتهاونوا مستقبلا في أمر الدّين ، ولا يتساهلوا مع المحرّفين والمبدّلين . فأسرع مع بدء حدوث أوائل الرّجفة قائلا :