في جنّات النّعيم ، أفلا يثيب اللّه الكافرين على أعمالهم الصالحة يوم الدّين كما يثيب المؤمنين ؟ ؟
والجواب : هؤلاء لم يعملوا أعمالهم الصّالحة ابتغاء مرضاة اللّه ، وطلبا لثواب الآخرة ، بل عملوها لتحقيق مصالح لهم في الحياة الدنيا ، ومنها ستر جرائمهم ، أو عملوها لتجميع الأنصار والأعوان ، أو لكسب الشّهرة والمدح والثناء بين الناس ، فهي بالنّسبة إلى الآخرة أعمال باطلة لا قيمة لها ، لأنّها غير قائمة على القاعدة الإيمانية ، وثواب الآخرة لا يتحقّق إلّا على أساس من القاعدة الإيمانية التي منها الإيمان باللّه ، والتّصديق بآياته ، والعمل بوصايا اللّه فيها ، والإيمان بلقاء اللّه يوم الدّين للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء .
أمّا الحياة الدّنيا فللّه فيها سنن حكيمة ، فمن عمل فيها صالحا بقصد تحقيق مصالح له فيها ، أجرى اللّه له من سننه ما يحقّق له من المصالح على مقدار ما قدّم من عمل صالح . ومن عمل فيها عملا صالحا ، بقصد أن ينال الشّهرة والمدح والثّناء بين الناس ، أجرى اللّه له من سننه ، ما يحقّق له من الشّهرة والمدح والثناء ، على مقدار ما قدّم من عمل صالح نافع ، وهذا خاضع لسنن الأسباب والمسّبات في الدنيا .
والآية الّتي نتدبّرها تبيّن ، أنّ الّذين كذّبوا بآيات اللّه ، وكذّبوا بلقائه يوم الدّين ، تكون أعمالهم الصالحة الّتي كانوا قد عملوها في الحياة الدنيا ، باطلة لا قيمة لها عند اللّه يوم الدّين ، إذ لم تكن غايتهم نيل ثواب الآخرة ، بل نيل ثواب الدّنيا ، ولو كانت غايتهم نيل ثواب الآخرة لحقّقوا في أنفسهم الشّرط اللّازم لنواله ، وهو الإيمان بآيات اللّه ، والإيمان بلقاء ربّهم يوم الدين ، ومعلوم أنّ هذا الإيمان يدفع إلى العمل الصالح ابتغاء مرضاة اللّه ، والظفر بثوابه العظيم يوم الدين .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 560
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٦٠