البشريّ عن مشاهدة بعض تجلّي اللّه عزّ وجلّ للجبل ، وأخبره أنّ الجبل إن استقرّ في مكانه فسيكون لدى موسى في المستقبل البعيد قدرة على رؤية ربّه في الحياة الدنيا ، وسوف يرى ربّه ولو عند آخر حياته ، وهذا الوعد معلّق بشرط استقرار الجبل في مكانه ، لكن التّجربة أثبتت أنّ الجبل لم يستقرّ في مكانه ، وأنّ موسى لم يقو على رؤية منعكس التّجلّي الرّبّانيّ على الجبل ، إذ صعق فخرّ مغشيّا عليه ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ :
*
. . فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً . . .
( 143 ) :
*
فَلَمَّا :
أي : فحين :
تَجَلَّى :
أي : أزال الرّبّ بعض ما بين ذاته العليّة الجليلة وما بين الجبل - وهو جبل الطّور - من حجب ، لم يقو الجبل على تحمّل هذا التّجلّي ، بل جعله هذا التجلّي دكّا ، أي : مدكوكا ، مدفوعا ، سائخا في الأرض ، حتّى لم يبق له أثر مرتفع عمّا حوله من الأرض . أقيم المصدر « دكّا » مقام اسم المفعول ، وهذا على قراءة الجمهور .
وأمّا على قراءة : [ دكّاء ] على التأنيث ، فلها في اللّغة معنيان :
المعنى الأوّل : جعله أرضا مستوية ، يقال : أرض دكّاء ، أي : مستوية ، وجمعها دكّاوات ، كحمراء وحمراوات ، أورده المفسّرون .
المعنى الثاني : جعله غير ذي وجود ظاهر ، كالنّاقة الدّكّاء ، وهي التي لا سنام لها ، يقال لغة : دكّ البعير يدكّ دككا ، إذا ذهب سنامه ، فهو أدكّ ، والنّاقة دكّاء .
ولا بدّ أن نعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أبقى الحجب دون موسى عليه السّلام عن تجلّيه .
روى الإمام أحمد والترمذيّ والحاكم عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
قال :