تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
القرآن المجيد ، فهم أكثر النّاس معرفة بسلطان اللّه وجبروته ، وإمهاله لعباده الجاحدين ، ثمّ بطشه بهم ، إذ هم يتلون في كتبهم كيف أهلك اللّه عزّ وجلّ فرعون وجنوده ، انتصارا لموسى وهارون ومن اتّبعهما من بني إسرائيل . ومن أسلوب اللّه جلّت حكمته في البيان أن يخاطب الأجيال اللّاحقة من الأمّة ، بالتّعبير الّذي تخاطب به الأجيال السّالفة ، كأنّهم هم أنفسهم ، إذا كانت الأجيال اللّاحقة ترى أنّها امتداد للأجيال السالفة في عقائدها ، ومفهوماتها ، وشرئعها ، وكلّ ما لها وما عليها . وقد تكرّر في القرآن المجيد خطاب أجيال بني إسرائيل بعد نزول القرآن ، كأنّهم هم الّذين جرت لهم الأحداث الّتي جرت لأسلافهم ، مثل ما جاء في الآيات التاليات من سورة ( البقرة / 2 مصحف / 87 نزول ) : *
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ . . .
( 61 ) *
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ . . .
( 63 ) *
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها . . .
( 72 ) *
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ . . .
( 84 ) والسّبب في هذا أنّ بني إسرائيل اللّاحقين الذين لم يسلموا ولم يتّبعوا رسول اللّه محمّدا صلى اللّه عليهم ، قد صار ولاؤهم للقوميّة الإسرائيليّة ، وللحزب الإسرائيليّ ، لا للّه ولرسله وآياته المنزّلات على رسله المتلاحقين ، حتّى خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، فجعلهم هذا الولاء القوميّ الحزبيّ التّعصّبيّ يرفضون ما يبعث اللّه لهم من رسول ، وما ينزل على رسله من آيات بيّنات فيها شرائع وأحكام . لذلك كان من الحكمة في توجيه الخطاب أن يخاطب اللّه اللّاحقين كأنّهم هم أعيان السّابقين .