لقد رأوا أنّ انطلاق موسى وهارون عليهما السلام ، ومعهما قسم من بني إسرائيل ، يدعون إلى الدّين المخالف للدّين الّذي عليه فرعون وملؤه وقومه هو من الإفساد في الأرض ، فقالوا لسيّدهم فرعون :
أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ؟ !
أتذر : أتترك .
أي : أتترك موسى وقومه يعملون بحرّيّة في الدّعوة إلى دينهم ، حتّى يشوّشوا أفكار النّاس ، ويجعلوهم شيعا وأحزابا ، ويفسدوا وحدتهم الفكرية والاعتقادية المؤتلفة على عبادة آلهتهم ، وعلى جعلك في مصر أنت الإله والرّبّ الأعلى ، إذ حلّت فيك روح الرّبّ الأعلى باعتبارك من سلالته ، إنّ هذا إفساد في الأرض لا يحتمل ، فمن شأنه أن يسقط نظام الدّولة الفرعونيّة ، ويسلبنا سلطاننا وأملاكنا في أرض مصر .
اللام في
لِيُفْسِدُوا :
هي لام العاقبة ، أي : حتى تكون عاقبة أمرهم الإفساد في الأرض .
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ :
أي : ولينبذك موسى مع آلهتك معزولين ، فلا تجدون مطيعين عابدين لكم ، ولا أنصارا ينصرونكم .
وسيأتي قريبا إن شاء اللّه بعض بيان عن معتقدات الفراعنة في الآلهة ، وعن تطوّر هذه المعتقدات كما ذكر مؤرّخو معتقداتهم ، وهم بوجه عامّ يرون أنّ الإله هو العظيم المطاع ، الّذي تجب طاعته والخضوع له في حدود إلهيّته ، وله حقّ الأمر والنّهي والتّصرّف ضمن دائرتها .
مادّة « يذر » فيها معنى الترك والإهمال ، وقد تدلّ على معنى النّبذ والإبعاد ، كوذرة اللّحم ، وهي القطعة الصغيرة الّتي يقطعها الجزار وينبذها كراهية لها .
هذا القول التحريضيّ من ملأ قوم فرعون استحثّه على أن يصدر أمرا بالنّسبة إلى بني إسرائيل ، دون موسى وهارون عليهما السلام ، فقال لمّا استثير غضبه :