ويظهر أنّ فرعون كان حريصا على أن لا يخسر سحرته ، على شرط أن يعودوا إلى ملّته وطريقته ، ويكونوا بالسّحر قوّة لسلطانه ، تدعم في نفوس جماهير العامّة من شعب مصر قوّاته العسكرية .
ولهذا كان يمهلهم ، ويراوضهم ويراجعهم بالوعيد ، ويشدّد فيه مرّة بعد مرّة ، عسى أن يراجعوا أنفسهم ، ويكفروا بموسى وهارون ، وبما جاءا به عن اللّه ، ويجدّدوا ولاءهم للبلاط الفرعوني .
ويظهر أنّهم بدؤوا بالتّلمذة الدينيّة على موسى وهارون ، حتّى صارت ألسنتهم في مواجهة فرعون ألسنة دعاة إلى الإيمان باللّه وبيوم الدين ، وإلى الإسلام للّه بالعمل الصالح ، على ما جاء به موسى عن ربّه .
* ويظهر أنّ أوّل ردودهم على فرعون هو ما جاء بيانه في سورة ( الأعراف ) فقد ردّوا فيه على وعيد فرعون لهم بعبارات إيمان ، وتبرّىء ممّا يوجب عقابهم قانونا ، ودعاء لربّهم أن يصبّرهم ويتوفّاهم مسلمين .
قالوا له : إذا قتلتنا بأيّة وسيلة فإنّنا راجعون إلى ربّنا ، الّذي سوف يثيبنا على أنّنا قتلنا من أجله ، فنحن شهداء في سبيله ، على أنّنا في كلّ الأحوال سنرجع إليه ، إذ يبعثنا بعد الموت إلى يوم الدّين ، يوم الحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء .
وقالوا له : إنّك ما تعاقبنا إذا فعلت ما توعّدتنا به إلّا على أمر لا يستحقّ في قواعد العدل والجزاء العقاب ، إنّك تريد أن تعاقبنا لأنّنا آمنّا بآيات ربّنا الإعجازيّة والبيانيّة لمّا جاءتنا ، والآيات البيانيّة قد بلّغنا إيّاها رسول أيّده ربّنا بمعجزة باهرة حقيقيّة ، ليست من قبيل السّحر الّذي نصنعه ونخدع به أعين الناس .
ودعوا ربّهم أمام فرعون بأن يفرغ عليهم مكيالا من الصّبر بقدر حاجتهم ، حتّى يتحمّلوا ما توعّدهم به فرعون من عذاب وقتل ، وبأن يتوفّاهم مسلمين .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 489
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٨٩