وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 96 ) :
أي : ولكن لم يحقّقّوا الشّرط بالإيمان والتقوى ، فلم نفتح عليهم بركات من السّماء والأرض دوما دون انقطاع ، ودون أن نأخذهم بالبأساء والضّرّاء ، رغبة في أن يتضرّعوا ، ودون أن نأخذهم أخيرا بالتّعذيب والإهلاك الشامل العامّ . بل كذّبوا رسل ربّهم ، وكذّبوا بما جاءوهم به عن ربّهم ، فلم يؤمنوا ولم يتّقوا ، والمراد معظم أهل القرى لا كلّهم .
لهذا استحقّوا أن نأخذهم بسبب ما كانوا يكسبون .
وأخذ اللّه لهم يكون على وفق سنّته ، وهي ذات مرحلتين :
المرحلة الأولى : أن يأخذهم بالبأساء والضّرّاء ، تذكيرا لهم بربّهم وتأديبا ، وهذا لا يكون معه إهلاك شامل .
ويتبع هذا رفع قوارع التذكير والتأديب عنهم ، حتّى إذا تمادوا في غيّهم ، واستعملوا نعم اللّه في الطغيان والفساد والإفساد في الأرض ، جاء دور تنفيذ المرحلة الثانية إذا اقتضت حكمة اللّه ذلك فيهم ، ببلوغهم دركة من الكفر والفساد والإفساد ، ميؤوسا معها أن يصلح منهم بإراته الحرّة عدد كاف لإمهالهم ، أكثر ممّا أمهلوا .
المرحلة الثانية : أن يأخذهم اللّه بعذاب وإهلاك شاملين بغتة ، فيفاجئهم به ليلا وهم نائمون ، أو ضحى وهم يلعبون ، وينزل بهم دون أن يكونوا في حالة شعور بمقدّمات منذرة بالعذاب الذي سينزل بهم ، ولا بالهلاك الذي يستأصلهم .
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ :
أي : بما كانوا يفعلون ، أصل الكسب العمل للحصول على مرغوب فيه ، كالرّزق والمال ، واللّذّة ، والاستمتاع بشيء ممّا هو محبوب للنفوس . يقال لغة : كسب المال يكسبه كسبا ، أي : ربحه .
وكسب الشيء ، أي : جمعه ، وكسب الإثم ، أي : فعله وتحمّله باختياره الحرّ .
* * *