خاطبهم أوّلا مبيّنا قبيحتهم هذه ، ثم خاطبهم مستنكرا بأسلوب الاستفهام ، بعد أن وجدهم غير مبالين بإثبات أنّهم يمارسون هذه الفاحشة ، وربّما ذكروا له أنّهم لا يجدون مانعا من الاجتماع عليها والاستعلان بها ، فالقراءتان متكاملتان في أداء المراد بيانه من المعاني .
*
. . بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
( 81 ) : تفصح هذه العبارة عن مطويّ لم يصرّح به في اللّفظ ، ولكن يمكن استخراجه بالتدبّر .
إنّ « لوطا » عليه السلام لما شدّد الإنكار عليهم بشأن قبيحة إتيانهم الرّجال شهوة من دون النساء ، لا بدّ أن يكونوا قد قالوا له : لسنا الوحيدين بين الأمم والشعوب الّذين يمارسون إتيان الرّجال لقضاء شهواتنا ، فغيرنا يمارس هذا العمل أيضا .
فقال لهم « لوط » عليه السّلام :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
( 81 ) أي : في ممارسة هذه الفاحشة القبيحة ، حتّى تفوّقتم فيها على من سواكم من ماضين ومعاصرين ، وتجاوزتم الحدود التي وصلت إليها أكثر الأقوام فجورا .
الإسراف : تجاوز الحدّ المحتمل ، فإذا كانت المعصية الشّاذّة موجودة في أمّة بنسبة عشرين في المئة من أفرادها ، إلى ثلاثين في المئة ، فإنّ الأمّة بمجموعها لا تعتبر مسرفة ، أمّا إذا كانت موجودة بنسبة ستين في المئة من أفرادها إلى سبعين في المئة ، فإنّ الأمّة بمجموعها أمّة مسرفة في هذه المعصية الشّاذة ، فإذا زادت هذه النسبة كانت أكثر إسرافا وأشنع وأقبح بين الأمم ، ولا سيما إذا وصلت إلى حدّ المجاهرة العلنيّة بقبيحتها .
* * *
* قول اللّه عزّ وجلّ :
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ
( 82 ) :