تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
بوقاحة وشناعة وإعلان دون استخفاء ، فهم يمارسونها ممارسة العادات الّتي لا يتحرّج منها الناس ، ويطالبون بها ، ويسعون إليها كما يسعى الجائعون إلى طعامهم ، والظّامئون إلى شرابهم . فعل « أتى » بمعنى « جاء » ، وحصل توسّع لغويّ في دلالة فعل « أتى » فصار يقال : أتى العمل ، أي : فعله . واستعمل هذا الفعل كناية عن الجماع ، في قوله تعالى في سورة ( البقرة / 2 مصحف / 87 نزول ) :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . . .
( 223 ) أي : في موطن الحرث الّذي تخرج منه الأجنّة . *
. . ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
( 80 ) :
مِنَ الْعالَمِينَ :
أي : من النّاس ، فالمراد بالعالمين هنا النّاس ، هذا ما تدلّ عليه القرائن « 1 » . السّبق : يستعمل بمعنيين : السّبق الزّمانيّ ، والسّبق بمقدار كميّة العمل أو كيفيّته . وما أظنّ أنّ ممارسة فاحشة إتيان الذكور لم تكن معروفة في تاريخ البشريّة قبل قوم لوط ، لكن لم تصل أمّة من الأمم الفاجرة إلى مثل ما وصل إليه قوم لوط ، فيما مضى من أهل القرون السّابقة لهم ، ولم تزد عليهم في كمّ الفحش ولا في كيفيّته أمّة غابرة ولا معاصرة لهم ، فقد كان قوم لوط في هذه القبيحة مسرفين جدّا ، فاقوا به جميع معاصريهم والسّالفين من الأمم . وأرى أن المراد بالسّبق المعنى الثاني ، لا السّبق الزّماني ، وعبارة
ما سَبَقَكُمْ
تشعر بأنّهم أكثر وأشنع وأفحش معاصريهم ومن مضى من فسّاق الأقوام والشعوب في ارتكاب الفواحش ، ولا سيما الشّاذّة منها .
هامش
( 1 ) لفظ « العالمين » قد يراد به ما سوى اللّه عزّ وجلّ ، وقد يراد به الإنس والجنّ والملائكة ، وقد يراد به الإنس والجنّ فقط ، وقد يراد به الإنس فقط .