« الواو » في أوّل هذه الآية عاطفة على محذوف يمكن بالتأمّل إدراكه ، أي : فاستهان كبراء قومه بنصائحه ، وبتثريباته لهم على فواحشهم الشّاذة ، وما كان جوابهم إلّا أن وجّهوا الأمر لعامّتهم وأتباعهم قائلين لهم : أخرجوا « لوطا » وآله من قريتكم ، لأنّهم أناس يتشدّدون في البعد عن مواطن القذارات الّتي تجدون لذّاتكم واستمتاعات فروجكم فيها ، ويتشدّدون في التورّع عن فعل المنكرات الّتي يرونها خبائث ، فهم على خلاف طريقتكم ، ووجودهم بينكم مع إنكارهم عليكم ينغّص عليكم عيشكم ، ويعكّر عليكم صفوكم .
إنّ عمليّة إخراج المواطن من وطنه هي ما يعرف بعقوبة النّفّي ، أو سحب الجنسيّة من مكتسبها مع الطّرد من البلاد .
وقد كان « لوط » عليه السّلام قد اكتسب حقّ المواطنة في أرض سدوم منذ سنين ، وصار بها وربّما بالمصاهرة من إخوانهم .
* * *
* قول اللّه عزّ وجلّ :
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
( 83 ) :
دلّت عبارة :
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ
على أنّه صدر الأمر الرّبّانيّ بإهلاك قومه كلهم ومعهم امرأته التي كانت على هوى قومها ، وبما أنّه عليه السّلام هو وأهله المؤمنون ، قد كانوا ما زالوا ضمن أرض سدوم فقد كان لا بدّ من اتّخاذ وسيلة لنجاتهم من وسائل الإهلاك الشامل الّتي سينزلها اللّه جلّ جلاله في كلّ أرضهم .
وجاء بيان إنجائهم في نصّ آخر ، أبان أنّ الرّسل من الملائكة المأمورين بإهلاك قومه قالوا له : لا تخف ولا تخزن إنّا منجوك وأهلك إلّا امرأتك ، ثمّ قالوا له عند اقتراب الصّبح : فأسر بأهلك بقطع من اللّيل ولا يلتفت منكم أحد إلّا امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم إنّ موعدهم الصّبح أليس الصّبح بقريب ؟ .
*
كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ :
أي : كانت من الباقين مع قومها في