تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
العبارة الأولى :
يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي :
أي : أدّيت الأمانة الّتي كلّفني ربّي أن أبلّغكم إيّاها ، وقمت بواجبي تجاهكم ، لم أزد على ما أمرني ربّي أن أبلّغكم إيّاه شيئا ، ولم أنقص منه شيئا . من الملاحظ أنّ « صالحا » عليه السّلام لم يقل رسالات ربّي بالجمع ، كما قال « نوح » عليه السّلام لقومه :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
وكما قال : « هود » عليه السّلام أيضا :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي .
وكما قال « شعيب » عليه السّلام لقومه ، بعد أن أهلكوا :
يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي .
ويظهر أنّ هذا الاختيار البيانيّ فيه دلالة ضمنيّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أنزل على « صالح » عليه السّلام ، الرّسالة جملة واحدة ، ولم يجعلها بالنّسبة إليه منجّمة مجزّأة ، لحكمة خاصّة بقومه . وقد يؤكّد هذا الفهم ما جاء في سورة ( القمر / 54 مصحف / 37 نزول ) حكاية لمقالة قومه بشأنه :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ .
( 25 ) فجاء التعبير بإلقاء الذّكر لا بإنزاله ولا بتنزيله ، والإلقاء يشعر بأنّه كان بأسلوب الدّفعة الواحدة ، لا بأسلوب التّنزيل المنجّم . العبارة الثانية :
وَنَصَحْتُ لَكُمْ :
أي : وبذلت من أجلكم كلّ ما أستطيع من نصح ، بالإقناع ، والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب ، والمجادلة بالّتي هي أحسن ، مع الصّبر ، وسعة الصّدر ، والحلم ، وتحمّل الأذى . يقال لغة : نصحه ونصح له . فدلّت هذه العبارة على أنّ صالحا عليه السّلام قد دلّ قومه على ما فيه خيرهم ، ورغّبهم فيه ، وأخلص لهم بتقديم الحقّ والخير والهدى خالصة من كلّ شائبة ، وبريئا من أيّة مصلحة شخصيّة له عندهم ، إنّما يرجو أجره عليه السّلام عند ربّه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 386 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني