فاحشا في ذلك كمّا وكيفا ، حتّى بلغوا إلى حصيض تقتضي حكمة اللّه معه أن ينزل بهم عقابا صارما حازما شاملا .
يقال لغة : عتا فلان يعتو عتوّا وعتيّا وعتيّا ، أي : تجاوز الحدّ المحتمل الّذي قد يصبر عليه ، إلى ما لا يحتمل ولا يصبر عليه ، من استكبار ومعاندة وعصيان .
والعاتي : هو الطّاغي الجبّار المفسد .
وقد ضمّن فعل [ عتوا ] في العبارة معنى فعل « ابتعدوا » أو فعل « تولّوا » فعدّي تعديته ، فقال تعالى :
وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
أي : فعتوا مبتعدين ومتولّين عن أمر ربّهم ، فأكثروا الفساد والإفساد في الأرض .
وقد جاء في بيان أسباب إهلاكهم الشّامل المعجّل في الدّنيا في سورة ( الفجر / 89 مصحف / 10 نزول ) أنّهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ، كما فعلت « عاد » وكما فعل فرعون ذو الأوتاد .
إنّ الطّغيان وكثرة الفساد في الأرض من قبل أمّة ما ، من الأسباب الّتي تقتضي حكمة اللّه العزيز الجبار القهّار معها إهلاكها إهلاكا شاملا ، أو قريبا من الإهلاك الشامل .
التحدّي الثالث : دلّت عليه عبارة :
. . وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 77 ) :
لقد استمرّوا على اعتقاد أنّه كذّاب وليس رسولا من المرسلين ، على الرّغم من آية النّاقة الّتي أخرجها اللّه لهم من الصّخرة وهم شهود ينظرون .
ويظهر أنّ الّذي غرّهم فأعلنوا هذا التّحدّي ، هو إمهال اللّه لهم زمنا طويلا على كفرهم وعتوّهم وإفسادهم في الأرض ، وقدرتهم على عقر ناقة اللّه دون إنزال العقاب الفوريّ بهم على عقرهم لها .