فاقتضى واقع حال هؤلاء الأقوام ، أن تبدأ دعوة رسلهم لهم بالأمر بعبادة اللّه ، الشّاملة لمختلف وجوه الطّاعة ، والتّقرّب إلى اللّه بما يحبّ ، وعلى الوجه الذي يحبّ ويرضى .
المقالة الثانية : دلّت عليها عبارة :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ :
أي :
ما لكم من معبود يصحّ أن تعبدوه لحقّ ربوبيّته لكم غيره إذ لا ربّ في الوجود كله غيره .
مِنْ إِلهٍ
« من » حرف جر زيد للتّنصيص على عموم النفي في :
ما لَكُمْ .
وقد دلّت هذه المقالة على أنّهم مشركون ، اتّخذوا آلهة يعبدونها من دون اللّه ، فاقتضى واقع حالهم إقناعهم بأنّه لا إله يستحقّ أن يعبد بحقّ إلّا اللّه وحده لا شريك له ، إذ لا ربّ في الوجود غيره ، فلا يجوز عقلا ، ولا يجوز فيما أنزل اللّه من رسالات لعباده ، أن يعبد غير اللّه الرّبّ الخالق ، بل يجب أن يعبد وحده لا شريك له .
وتوجيه مثل هذه المقالة لقوم مشركين ، يدلّ عن طريق اللّوازم الفكريّة ، مع الاستناد إلى معرفة طبائع النّاس وأخلاقهم ، على أنّ هذا التوجيه لا بدّ أن يجرّ إلى مجادلات ومناظرات ذوات وجوه متعدّدة ، لإثبات أنّ اللّه عزّ وجلّ واحد في ربوبيّته ، وواحد في إلهيّته .
وقد قام « صالح » عليه السّلام ، وسائر رسل اللّه بوظيفة اتّخاذ مختلف الوسائل ، لإقناع أممهم بهذه الحقيقة الدّينيّة الكبرى .
إنّه إذا لم يكن في الوجود ربّ خالق غير اللّه ، جلّ جلاله وعظم سلطانه ، فلا يجوز عقلا أن يتّخذ إله يعبد غير اللّه ، سواء أكان مع عبادة اللّه تبارك وتعالى ، أم من دون ذلك .
المقالة الثالثة : دلّت عليها عبارة :
قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ :