أمّا الّذين من دونه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، فلا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرّا .
وهذه الجملة لا تدلّ على نفي وجود أشياء أو أحياء تعبد من دون اللّه ، دون أن تكون مستحقّة لأن تعبد ، فقد اتّخذ المشركون آلهة من دون اللّه ، وعبدوها ظلما لحقّ اللّه الرّبّ الخالق عليهم ، مع أنّ معبوداتهم لا تملك لهم ولا لأنفسها نفعا ولا ضرّا ، فهي أسماء سمّوها آلهة وأعطوها صفات الإله ، وهي لا تملك من صفات الإله بحقّ شيئا .
إذن : فدعوة نوح لهم إلى عبادة اللّه وحده نصيحة عظيمة لهم ، إن استجابوا لها جلبت لهم سعادة هذه الحياة ، وما بعد هذه الحياة ، ودفعت عنهم عذاب اللّه الّذي أعدّه للكافرين والمشركين به .
إنّ مشركي الأوّلين كانوا يعبدون أوثانا وقوى وهميّة ، وأرواحا لكائنات من الإنس والجنّ ، وقد يعبدون بشرا أمثالهم .
أمّا مشركو أهل حضارتنا المعاصرة اليوم ، فهم يقدّسون قوانين الطبيعة ، ويجعلونها شركاء اللّه الخالق إذا كانوا مؤمنين به ، ولا يرونها من سنن اللّه السببيّة الّتي جعلها هو في كونه ، وهو متى شاء خرقها ، وعطّل آثارها .
وشرّ من هؤلاء المشركين ، كفّار موغلون انحدارا في أودية الكفر ، يجحدون وجود ربّ خالق مدبّر عليم حكيم ، يفعل ما يشاء ويختار ، وهم المادّيّون الحسّيّون ، الّذين صاروا كثيرين في عصرنا الحاضر ، ولا سيما الشيوعيّون الذين فتنتهم الماركسيّة بأوهامها ، وزخرف أقوالها الباطلة .
الفقرة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ،
( 59 ) هذه الجملة دلّت على أنّ نوحا عليه السلام قد أخبرهم بنبأ البعث إلى يوم الدّين ، وأخبرهم بما في ذلك اليوم من حساب ، وفصل