ولفظ
هُدىً
في الآية منصوب على أنّه مفعول لأجله ، أي : من أجل هدايتهم ، أو على أنّه حال من الكتاب المفصّل ، أي : حالة كون الكتاب هدى .
الصّفة الثالثة دلّ عليها قول اللّه تعالى :
وَرَحْمَةً :
أي : هو رحمة من اللّه عزّ وجلّ للنّاس ، إذ جاءهم به مفصّلا مشتملا على هدى ، فأبان لهم صراط سعادتهم في الدّنيا ، وصراط نجاتهم من عذاب يوم الدّين في الجحيم ، وظفرهم بالنعيم الخالد في جنّات النعيم ، فهو أثر من آثار رحمة اللّه بعباده .
ورحمة اللّه عزّ وجلّ صفة من صفاته على ما يليق بجلاله ، وهي تستلزم الإنعام والإكرام والإحسان ، ويكون من آثارها بحسب حكمته جلّ جلاله العفو والغفران .
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
هذا قيد لكون الكتاب هدى ورحمة ، أي : إنّ الذين ينتفعون من كون الكتاب الرّبّاني هدى ورحمة ، هم الّذين يؤمنون بكلّ ما جاء فيه ، فيتابعون آياته بالإيمان الصحيح الصادق ، الذي من شأنه أن يدفعهم إلى العمل بأحكامه وشرائعه ، فيكون في الواقع لهم هدى ، وهم يسعدون بعطاءات رحمته .
ولدى تحليل كون ما في الكتاب الرّبّانيّ رحمة يظهر لنا أن بياناته وتعليماته ووصاياه تعرّف بالحقّ والباطل ، وتوضّح المسافة الفاصلة بينهما حتّى لا تختلط حدودهما ، فلا يقع من يهتدي في حمأة الباطل وهو يظنّه حقّا ، وتعرّف بطريقي الخير والشّرّ ، وطريقي الفجور والتقوى ، وطريقي الصّلاح والفساد من السّلوك الإنسانيّ الظّاهر والباطن ، وتوضّح الحدود والفواصل بين هذه الطّرق ، فلا يقع من يهتدي بهدي الكتاب الرّبّانيّ في أوحال الشّرّ والفجور والفساد وأوضارها وأخباثها .