في الآية التالية ( 53 ) من قول الكافرين جميعا ، وهم في دار العذاب :
. . . لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ . . . .
( 53 )
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ من صفات الكتاب الّذي جاء النّاس به ثلاث صفات عظمى :
الصّفة الأولى : دلّ عليها قول اللّه تعالى متحدّثا بضمير المتكلّم العظيم :
فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ :
فصّلناه : أي : بيّنّاه ، يقال لغة : فصّل يفصّل تفصيلا ، أي : بيّن يبيّن تبيينا . وأصل التفصيل التّمييز ، بفصل الشيء عن شيء آخر ، والتّفصيل في المعاني يكون بتمييزها ، وفصل بعضها عن بعض ، وإعطاء كلّ منها حكمه ، وهذا غاية البيان لحقائق المعارف .
ومستند هذا التفصيل التّمكّن الكامل من العلم بحقائق المعلومات ، كلّيّاتها ، وجزئيّاتها ، كبارها وصغارها ، حتّى دقائقها الدّقيقة البالغة الغاية في الدّقّة ، وجاء قوله تعالى :
عَلى عِلْمٍ
مشيرا إلى مستند هذا التفصيل . أي :
فصّلناه تفصيلا دقيقا مبنيّا أو قائما على علم ، فالعبارة صفة لمفعول مطلق محذوف ، وهذا في نظري أجود في التّدبّر من اعتبار :
عَلى عِلْمٍ
حالا من الفاعل ، بمعنى فصّلناه عالمين ، أو حالا من المفعول ، بمعنى فصّلناه مشتملا على علم .
وقد استدعى البيان ذكر هذا القيد :
عَلى عِلْمٍ
لأنّ الباحثين من النّاس قد يفصّلون معارفهم ، لكنّ تفصيلهم لا يكون قائما على علم بحقائق الدّقائق ، فتضيف تفصيلاتهم جهالات وأحكاما باطلة في القضايا الجزئيّة ، إلى جهالات وأحكام باطلة في القضايا الكلّيّة ، وبذلك تتراكب الجهالات وصور الباطل ، مع الإيهام بالتفصيل الكثير أنّها حقائق قائمة على العلم بالدقائق .