فَالْيَوْمَ :
الفاء لترتيب الجزاء على العمل ، ومعنى التعقيب بالفاء يراد به هنا التعقيب على فصل القضاء بالإدانة ، والمراد باليوم يوم الدّين .
نَنْساهُمْ :
أصل النسيان في اللّغة التّرك ، تقول لغة نسي فلان الشّيء ينسوه نسوة ، إذا تركه . ويكون هذا النسيان تركا بدون تعمّد وقصد ، ويكون تركا بتعمّد وقصد ، ومن التّرك المتعمّد الإهمال وعدم الاكتراث .
ويأتي النسيان ضدّ الذّكر والحفظ للشّيء في الذّاكرة ، بمعنى أنّه كان مذكورا ومحفوظا ، فغاب عن الذاكرة . وهذا المعنى هو المشهور بين النّاس ، ومن المستحيل عقلا وشرعا أن يتّصف اللّه عزّ وجلّ به .
قال ثعلب من أئمة اللّغة في قول اللّه عزّ وجلّ :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
لا ينسى اللّه عزّ وجلّ ، إنّما معناه تركوا اللّه فتركهم ، فلمّا كان النّسيان ضربا من التّرك وضعه موضعه .
وجاء في التهذيب أنّ المعنى : تركوا أمر اللّه فتركهم اللّه من رحمته .
وجاء فيه أيضا تفسيرا لقوله تعالى :
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ،
أي : أتتك آياتنا فتركتها ( أي : لم تؤمن بها ولم تعمل بما جاء فيها من أحكام ووصايا وتكاليف ) فكذلك تترك في النار ( أي : فلا تخرج منها ، ولا يستجاب لطلب مهما دعوت وتضرّعت ) .
وبناء على هذا المعنى اللّغويّ نستطيع أن نفهم معنى قول اللّه عزّ وجلّ :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
دون إشكال ما .
أي : ففي هذا اليوم الذي هو يوم الدّين نتركهم ونترك إجابة طلبهم إذ يطلبون تخفيف العذاب عنهم ، أو إفاضة شيء من ماء الجنّة عليهم ، أو شيء من الرّزق الوفير الذي يتنعّم به أهل الجنّة ، كما تركوا الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبّانيّة الّتي جاءهم بها رسل ربّهم ، وتركوا العمل ليوم الدّين ، كأنّ أمر دين اللّه لعباده لا يتعلّق بهم ، فلا يهمّهم ، واندفعوا يرتكبون