وقد أكّد اللّه عزّ وجلّ هذا النبأ بنون التوكيد الثقيلة ، ليضعوا في ذاكراتهم دواما ، أنّهم إذا انحرفوا ونسوا تعاليم الدّين ، بعث لهم رسلا بشرا منهم ، يجدّدون لهم ما كانوا قد أبلوه من الدّين ، بالانحراف والتحريف والنسيان ، مع ما يضيفه اللّه تبارك وتعالى من بيانات تكامليّة ، في مسائل الدين وقضاياه .
وقبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم أخذ اللّه الميثاق على الرّسل وأتباعهم أن يؤمنوا بالرّسول الخاتم ، ويتّبعوه متى بعثه اللّه .
وبإرسال اللّه عزّ وجلّ رسوله محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ختم الأنبياء والمرسلين ، وأكمل بما أنزل عليه الدّين ، وتكفّل بحفظ كتابه من أيّ تحريف أو تبديل ، أو ضياع أو نسيان ، فتمّت بذلك مقتضيات الحكمة الرّبّانيّة ، وتمّ تدبير أمر دين اللّه لعباده ، على أحسن وجه وأكمله .
*
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي :
يقال لغة : قصّ عليه الخبر ، أي : حدّثه به على وجهه ، بتتبّع عناصره ، دون تحريف أو تبديل . وتقول : قصصت الشّيء ، إذا تتبّعت أثره شيئا فشيئا .
والمعنى : أنّ الرّسل الذين سأرسلهم إليكم منكم في تتابع أجيالكم يا بني آدم ، سيقصّون بتتبّع كامل ، تالين عليكم آياتي البيانيّة ، الّتي سأنزلها عليهم ، فهم يبلّغونكم إيّاها ، وسيتتبّعون آياتي الكونيّة فيرشدونكم إليها .
وفي الآيات البيانيّة المنزّلات الّتي يقصّها عليكم رسلي ، أوامر ونواهي وتكاليف ، ووعيد لمن خالف وعصى ، ووعد بثواب عظيم لمن اتّبع وأطاع .
*
فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 35 ) :
أي : فمن اتّقى بإيمانه وإسلامه الخلود في عذاب النار ، ومن أصلح فأتى من العمل بما هو صالح ، وأصلح نفسه وعمله ممّا يتعرّض له من فساد بالتّوبة والعمل الصالح ، فثوابه عند ربّه يوم الدّين أن لا يخاف من عقاب وعذاب ، وأن لا يحزن على أمر فاته .