ووجم آدم وزوجه عن قبول ما سوّل إبليس لهما به ، فلجأ إبليس إلى حيلة حلف الأيمان المؤكّدة ، فشرع يقسم لهما بربّه كاذبا ، ويؤكّد أقسامه ، ويقول لهما : إنّي لكما لمن النّاصحين .
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ .
( 21 )
فعل « قاسم » من الصّيغ الّتي تدلّ على المشاركة ، ولكنّها قد تخرج عن هذه الدّلالة ، للدّلالة على المبالغة والتّشديد ، في مضمون الحدث الذي دلّ عليه الفعل ، والظاهر أنّ عبارة
وَقاسَمَهُما
من هذا القبيل ، أو أنّهما طلبا منه أن يقسم على ما ذكر لهما ، فأقسم كاذبا مفتريا ، ولم يكن لآدم وزوجه خبرة سابقة بالكذّابين المنافقين المفترين ، لكنّ اللّه عزّ وجلّ قد حذّرهما من مكايده بصورة عامّة فلا عذر لهما .
ولم يكتف إبليس بالتّشديد في القسم ، بل شدّد أيضا في تأكيد المقسم عليه بعدّة مؤكّدات هي : « إنّ - والجملة الاسمية - واللّام المزحلقة » في قوله :
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ .
وعلى الرّغم من كلّ هذه التأكيدات فإنّ آدم زوجه لم يسرعا في الاستجابة لدعوته وتسويلاته .
فاتّخذ إبليس معهما أسلوب الخطوات الإزلاقيّة المتتابعة ، والتّدلية شيئا شيئا في بئر المعصية ، ومع كلّ مرحلة من مراحل التّدلية إغراءات من منابع التغرير والخداع والإطماع بالباطل .
دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ :
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ . . .
( 22 ) ،
فَدَلَّاهُما :
أي : فبعد أن شدّد في الحلف لهما ، وأكّد لهما أنّه لهما لمن النّاصحين ، أخذ ينزلهما شيئا فشيئا في بئر المعصية ، أو مهواة