لهما انطلاق الملائكة في السّماوات بأجساد نورانيّة ، أو أن يكونا خالدين فيما هما فيه من نعيم في الجنّة ، إذ كانا يعلمان أنّهما في سكنى ابتلاء ، لا في سكنى دوام وبقاء .
عندئذ زرع الشّكّ في قلوبهما حول الغرض من نهي اللّه لهما عن أن يأكلا من الشجرة المحرّمة ، فجاء هذا النّصّ مبيّنا هذه الحيلة الشّيطانيّة ، إذ كان قد أشعرهما بأنّه لا يعلم شيئا عن أنّ اللّه قد حرّم عليهما أن يأكلا منها ، لولا أن علم ذلك منهما .
أي : وقال لهما مع ما قدّم لهما من إغراءاته وتسويلاته : ما نهاكما ربّكما عن الأكل من هذه الشجرة ، إلّا منع أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين .
وربّما قال لهما إنّ الملائكة لم يصيروا نورانيّين ينطلقون في السّماوات بأجساد نورانيّة إلّا بعد أن أكلوا من هذه الشجرة .
هذه هي الفكرة الإبليسيّة القديمة المكفّرة ، الّتي تجعل للأشياء طبائع ذاتيّة أصليّة ثابتة ، وأنّ اللّه يخلق من خلالها .
ومن يسقط في أوهام هذه الفكرة الباطلة ، يغترّ بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل تصاريف خلقه مقيّدة بالأسباب ، مع أنّه هو الّذي وضعها بحكمته في الأشياء ، ليمتحن عباده في الإيمان به خالقا من قنوات الأسباب ، وأنّ الأسباب ليست إلّا أوعية يمرّ الخلق الرّبّانيّ من خلالها ، ولو شاء اللّه جلّ جلاله لخلق ما شاء دون أن يمرّ خلقه من ظواهر الأسباب ، ولأوجد من العدم المطلق بكلمة : « كن » ما شاء من أكوان ، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن ، فهو يكون بأمر التكوين .
إنّ إبليس لمّا رفض السّجود لآدم علّل رفضه بأنّ عنصر النّار بطبيعتها الذّاتيّة أشرف من عنصر الطين ، فليس من الحكمة تكليف من هو أشرف في عنصره ، أن يسجد لمن هو في عنصره دونه شرفا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 138
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٣٨