تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وفي تسويله لآدم وزوجه ، زعم لهما كاذبا أنّ عنصر الشّجرة المحرّمة ، يحوّل الآكل منها إلى ملك نورانيّ يعبر أقطار السّماوات بخفّة الأنوار ، أو الأرواح المجرّدة ، أو يجعله خالدا يعيش أبدا دون أن يدركه الموت ، وأوهمهما أنّ اللّه لا يريد لهما أن يكونا ملكين ، أو من الخالدين ، فحرّم عليهما أن يأكلا من هذه الشّجرة ، وألقى في تصوّرهما أنّه يوجد في الكون مخلوقون خالدون ، بقوله لهما :
أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ .
لا شكّ أنّ قبول هذه الفكرة الشيطانية يوقع في إحدى معصيتين ، هما من أكبر الكبائر الاعتقادية . فإن قبلا فكرة أنّ الشّجرة ذات عنصر ذاتيّ فعّال في أن يكونا ملكين ، أو يكونا من الخالدين ، فقد جعلا طبائع الأشياء شركاء للّه في كونه ، وما نظنّ أنّ آدم وزوجه قد سقطا في هذه الكبيرة الشّركيّة . وإن تصوّرا أنّ اللّه عزّ وجلّ هو الّذي جعل في الشّجرة هذه الميزة الخاصّة ، وأنّه حرّم عليهما الأكل منها لئلّا يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين ، فقد وقعا في غفلة أنّ اللّه مطّلع عليهما ، عليم بكلّ حركة يتحرّكانها ، وكلّ سكنة يسكنانها ، وأنّه لو كان لهذه الشّجرة هذه الميزة بخلق اللّه ، واللّه لا يريد أن يكونا ملكين ، أو يكونا من الخالدين ، فإنّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، لا يمكّنهما من الأكل منها ، إذا أرادا مباشرة ذلك ، أو يسلب الشّجرة ميزتها ، فإرادة اللّه تبارك وتعالى لا يمكن معارضتها . والّذي أوقعهما في هذه الغفلة شدّة رغبتهما بأن يكون ملكين ، أو بأن يكونا خالدين . ومعلوم أنّ شدّة الرّغبة تتحوّل إلى هوى ، ومن شأن الهوى أن يغشّي على مراكز التفكير الصحيح ، ويجعل الإنسان يتصرّف بموجّه من رغبات نفسه ، لا بموجّه من فكره وعقله وإيمانه ، ومن هنا يسقط المؤمنون في أوحال المعاصي والخطايا .