الصفة الثانية : أنّه قعيد في مكان ما من الإنسان ، ملازم له غير مفارق ، أمّا أحدهما فعن يمينه ، وأمّا الآخر فعن شماله .
الصّفة الثالثة : أنّه رقيب ، أي : يقظ ، موجّه كلّ أجهزة الإحساس لديه ، لالتقاط صور الأعمال الظاهرة والباطنة ، وصور الأقوال مهما كان شأنها ، حتّى الخواطر والنيّات في الأعمال ، وحتّى الآهات والأنّات في الألفاظ .
وقد قرّبت لنا أجهزة التقاط الصّور والأصوات هذه الحقيقة .
الصفة الرابعة : أنّه عتيد ، أي : شديد قويّ مهيّا مستعدّ للقيام بوظيفته طوال حياة الإنسان المأمور بمراقبته .
فالمعنى الكلّي للنّص الذي نفهمه بالتّدبّر :
ولقد خلقنا الإنسان بسلطان الرّبوبيّة العظيم ، ونعلم كلّ ما يجري عليه أو فيه أو منه حتّى ما توسوس به نفسه ، ونحن بشمول علمنا أقرب إلى مراكز إرادته ووعيه وخواطره وأحاديث نفسه ، من أوعية دمه الّذي يمدّه بغذاء استمرار حياته ، حين يتلقّى المتلقّيان من الملائكة ، عن اليمين قعيد منهما ، وعن الشّمال قعيد آخر ، يسجّلان ما أمرناهما بتسجيله من أعماله الظّاهرة والباطنة ، وأقواله ، فلا يندّ عنهما شيء ممّا يصدر عنه ، فما يعمل من عمل ، وما يلفظ من قول إلّا كانا رقيبين له ، متهيّئين جاهزين ، مستعدّين حاضرين لتسجيله ، وفق الوظيفة المسندة إليهما .
وقد اقتضى الإيجاز في التعبير حذف ما يقتضيه الكلام ويستدعيه الفكر بالتّدبّر ، أو يستدعيه التقابل والتّناظر .
فلم يذكر في هذا النّصّ أنّهما من الملائكة ، لدلالة نصوص أخرى في القرآن ، دلّت على أنّ الكتبة الّذين يكتبون صحف أعمال العبادهم رسل للّه ، موجودون لديهم وهم يكتبون أعمالهم ، وأنّهم حافظون ، وكرام كاتبون ، وأنّهم يعلمون ما يفعل الناس ، فمنها ما يلي :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 90
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٩٠