فلمّا نزل به ، ورأسه على فخذي ، غشي عليه ، ثمّ أفاق ، فأشخص بصره إلى سقف البيت ، ثمّ قال :
« اللّهمّ الرّفيق الأعلى » .
فقلت إذا لا يختارنا ، وعرفت أنّه الحديث الذّي كان يحدّثنا وهو صحيح .
قالت : فكانت آخر كلمة تكلّم بها : « اللّهمّ الرّفيق الأعلى » .
واللقطات التي عرضها هذا الدرس من أحداث الرّحلة بين سكرة الموت وموقف الحساب ، أربع لقطات بيانيّة :
اللقطة الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
( 19 ) .
عرفنا آنفا ما هي سكرة الموت ، ونلاحظ في هذا البيان استعمال الفعل الماضي في عبارة :
وَجاءَتْ
مع أنّ المخاطب بالنّصّ وهو المكذّب بيوم الدّين ما زال يعيش في الحياة الدّنيا ، لم تأته سكرة الموت بعد .
والحكمة البلاغيّة الدّاعية لهذا ، هيّ الدّلالة على أنّ الأمر متحقّق الوقوع ، حتّى كأنّه قد وقع فعلا وانقضى . ويضاف إلى هذا ملاحظة أنه قد وقع فعلا نظيره لمن سبق موته نزول النّصّ من الناس ، وهو سيقع لسائرهم حتّى آخر إنسان في الأرض .
وأقول أيضا : إنّ المقضيّ بالقضاء الرّبّانيّ المبرم أمر واقع حتما في النموذج المعدّ بالقضاء والقدر ، أمّا التطبيق في الواقع العمليّ فهو الّذي يترقّب زمنه .
*
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ .
هذه الجملة معطوفة على جملة :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
أي : خلقناه