وأبان اللّه عزّ وجلّ في هذا النصّ ، ترجيع الطير معه التسبيح ، فقال تعالى :
وَالطَّيْرَ
فهو معطوف على البدل السّابق ، فالاقتصار على ذكر الطّير معطوفة بالنّصب على محلّ جملة :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ
يدلّنا على أنّ الأمرين متماثلان ، أي : آتيناه فضل ترجيع الجبال معه بأمرنا إذ آتيناه صوتا عاليا نديّا ، وفضل ترجيع الطّير التي تحشر له ، إذ آتيناه صوتا حسنا تطرب منه بعض أصناف الطيور ، فترجّع معه بعض ترنيماته .
إذا دقّقنا في هذه المعاني وجدناها مضافة إلى ما سبق بيانه في مراحل التنزيل عن داود عليه السّلام ، ووجدناها غير مكرّرة ، فالموضوع واحد ، لكنّ عناصر معانيه مجزّأة موزّعة متكاملة فيما بينها .
وأضاف هذا النصّ بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ قد ألان لداود الحديد ، وأمره أن يجعل من الحديد دروعا سابغات ، فقال تعالى فيه )
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ . . .
( 11 ) .
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ :
أي : وجعلنا الحديد ليّنا في يديه ، قالوا : فكان كالعجين أو كالشّمع في يديه وقت عمله به ، ثمّ يعود الحديد إلى صلابته .
وبيان هذه القضية من القضايا المضافة إلى ما سبق بيانه في مراحل التنزيل .
ونتساءل : هل المراد بإلانة الحديد له تغيير خصائص الحديد الصّلية له حال عمله فيه ، أم إعطاؤه القوّة الجسديّة العظيمة الّتي يلين بها الحديد ، أم إعطاؤه طاقة إشعاعيّة تنطلق من جسده لها خصوصيّة إلانة الحديد ؟ ؟ .
أقول : لا نملك دليلا يحدّد واحدا منها ولعلّ آخرها مع قوّته الجسديّة المعروفة هي المرادة ، فهي الأقرب لما نعرف من تجارب العلوم ، وخصائص الطّاقات الإشعاعيّة ، واللّه أعلم .