فإذا فحصتم مضامين هذا البيان القرانيّ العظيم تتبّعا لجزئياته الفكريّة ، لم تجدوه إلّا ذكرا للعالمين أجمعين ، لا لكم فقط ، ولا للعرب فقط ، بل للعالمين كلّ العالمين .
وهذا برهان على أنّه تنزيل من عند اللّه ربّ العالمين ، إذ لا يوجد كتاب في الدنيا من عند غير اللّه ، يصلح لأن يكون كلّ ما فيه ذكرا لكلّ العالمين .
فما أعجب عمق هذا الاستدلال على أنّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ، وأنّه ليس من صنع محمّد ، فليس هو سحرا ، وليس شيء فيه اختلافا ولا كذبا .
والمعنى : ما هو في حقيقة عناصره الفكريّة ، غير تعليم حقّ يجب أن يجعله مفكّرو العالمين أجمعين ذكرا لهم ، يهتدون بهديه دواما .
أمّا مضامين القرآن الخبريّة ، وما يشتمل عليه من أنباء ، ما مضى منها ، وما هو قائم في كون اللّه منها ، لكنّ النّاس لم يعلموه بعد ، لعدم توصّل وسائلهم العلميّة إلى كشفه لمعرفته ، وما سيأتي منها أو سوف يأتي ، فقد علّم اللّه عزّ وجلّ رسوله أن يقول لقومه بشأنها ، وهو قول موجّه لكلّ الناس ، مهما توالت العصور وتعاقبت الدّهور :
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
( 88 ) .
أي : ولتعلمنّ بعد حين من الدّهر مطابقة كلّ ما جاء فيه من أنباء للواقع والحقيقة .
فالماضي تكشفه دلائل الآثار ، والواقع الخفيّ القائم في الكون تكشفه وسائل البحث العلميّ الإنسانيّ تباعا ، مع تقدّم العلوم ، وارتقاء الوسائل وتقدّمها ، والمستقبل منه سيحدث أو سوف يحدث كما جاء في الأنباء القرآنية .