والمعنى أنّك لا تسألهم في الواقع أجرا ما ، مع التعريض له ضمنا بأن يكون حذرا من أن يسألهم أقلّ شيء يشعر بأنّه من مقاصد ما يقوم به في دعوته ، حتّى لا يكون ذلك ذريعة للطّعن في دعوته بأنّه صاحب مصالح خاصّة منها عند قومه .
وهنا في سورة ( ص / 38 مصحف / 38 نزول ) أمر اللّه عزّ وجلّ رسوله بأن يصرّح لهم تصريحا وجاهيّا قائلا لهم : ما أسألكم عليه من أجر .
وفي هذا ردّ كاف على اتّهامه بأنّه ذو مصلحة شخصيّة دنيويّة من دعوته ، وادّعائه النبوّة والرّسالة .
( 2 ) وقولهم الذي ذكره اللّه عزّ وجلّ في الدرس الأوّل :
هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ :
أي : هذا ساحر في بيانه الذي يقول بشأنه هو من عند اللّه ، وكذّاب في ادّعائه أنّه كلام اللّه ، وأنه وحي أوحى اللّه إليه به . وقولهم عن مقالاته في التوحيد وإبطال الشرك :
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ :
أي : ما هذا إلّا قول كذب يفتريه على الحقيقة ، ويفتريه على اللّه ، يستدعيان ردّا محكما مسقطا لهما .
فعلّم اللّه رسوله أن يقول لهم جوابا عليهما :
وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
( 88 ) .
المتكلّف : هو الّذي يتصنّع أمرا بالكلفة على خلاف فطرته وعادته الدائمة . والسّاحر من أكثر النّاس تكلّفا وتصنّعا وتزويرا ، والكذّاب الذي يختلق المفتريات ولا سيما المفتريات على اللّه ، هو كذلك من أكثر الناس تكلّفا وتصنّعا وتزويرا .
وقد عاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قومه أكثر من أربعين سنة ، لم يعرفوا منه فيها إلّا الصّدق والأمانة والصّراحة في أموره كلّها ، ولم يعرفوا منه تصنّعا ما ، ولا تكلّفا ما ، ولا أمرا يشتبه به منه في أموره كلّها .