أفيكون كذلك طوال عمره قبل النّبوّة في قومه ، غير متكلّف ولا متصنّع في أمر ما من أموره ، ويبقى على صفاء فطرته لا يكذّب ولا يتعاطى لونا من ألوان السّحر ، ولا يفتري على أحد فرية ما يصطنعها اصطناعا ، ويتكلّفها تكلّفا ، حتّى إذا أوحى اللّه إليه بعد هذه البراءة التامّة ، والصّفاء الكامل ، في خلقه وعاداته ، يقول قومه عنه ، وهم الخبيرون به : ساحر كذّاب يفتري على اللّه .
إنّ من عاش عمرا بلغ فيه أربعين سنة ، لا يتصنّع في أمر ما من أموره ولا يتكلّف ، ولا يفتري ولا يكذب ، لا يستطيع أن يخالف طبعه وعاداته ، فيتصّنّع ويفتري ويكذب ، ولا تطاوعه فطرته على ذلك ، وهذا مشاهد في كلّ الناس .
فإذا ذكّرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه ليس هو من المتكلّفين المتصنّعين ، كما يعلمون ذلك من خلقه وعادته وطبعه ، كان ذلك حجّة عليهم ، ودفعا بغاية الرفق لاتّهامهم الشّنيع له بأنّه ساحر كذّاب مختلق على اللّه .
أمّا القرآن الّذي زعموا أنّه نوع من أنواع السّحر ، وأنّه مختلق مفترى على اللّه ، وهو المتضمّن لدعوة الرّسول ، فقد علّم اللّه عزّ وجلّ رسوله أن يقول لهم بشأنه :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
( 88 ) .
أي : إذا رفضتم آيات إعجاز القرآن البياني ، الدّلّات على أنّه كلام اللّه ، وتنزيل من لدنه ، مدّعين أنّ إعجازه البيانيّ نوع من أنواع السّحر ، فإنّ أمامكم فيه المضامين الفكريّة المعجزة ، والّتي يجب على كلّ ذي فكر من العالمين أجمعين أن يعلمها ، ويتفهّمها ، ويتدبّر معانيها ، ثم يجعلها في ذاكرته ، ليتّبع هديها في مسيرة حياته ، ولتكون له سراجا هاديا يهدي إلى صراط السعادة والمجد العظيم .