وهكذا كان حال « إبراهيم وإسحاق ويعقوب » الّذين جئ بهم مثلا لهذا الصّنف الممتاز من الرّسل .
وإضافة « ذكرى » إلى « الدار » من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي :
تذكّرهم الدائم الدار الآخرة .
وأمّا قراءة : إنا أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار ( 46 ) بدون بتنوين لفظ خالصة ، فهو من قبيل الإضافة على تقدير « من » نظير « باب ساج » أي : باب من ساج ، ونقول هنا : بخالصة ذكرى الدار . أي : بخالصة من ذكرى الدار .
وجاء في ختام هذه الفقرة تقويم الدّرجة الرّفيعة من مرتبة المحسنين ، لكلّ من
« إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ »
فقال اللّه عزّ وجل بشأنهم :
*
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
( 47 ) .
لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ :
جمع « المصطفى » وهو المفضّل المختار .
الْأَخْيارِ :
جمع « الخيّر » وهو ذو الخير الكثير .
فمنحهم اللّه بهذا التقويم المؤكد صفتين عظيمتين :
الصّفة الأولى : أنّهم من الّذين اصطفاهم اللّه عزّ وجلّ ففضّلهم واختارهم لمنازل القرب منه ، ولاحتلال أرفع المراتب والدرجات فيها ، وهذا الاصطفاء قد كان ثوابا لهم على ما كان منهم باختيارهم الحرّ ، إذ كانت ذكرى الدار الآخرة شغلهم الشاغل ، وهمّهم الأكبر المالئ كلّ جوانب نفوسهم ، وليست هي العصمة الّتي عصمهم اللّه بها بسبب النّبوة والرسالة ، إذ العصمة ممنوحة لكلّ الأنبياء والمرسلين ، إنّما التفاضل فيما بينهم في درجات مرتبة المحسنين ثمرة اختياراتهم الإرادية الحرّة ، فوق العصمة ، وبعد تحلّيهم بها ، إذا العصمة خاصّة في حدود مرتبة التقوى وحقوقها .
الصفة الثانية : أنّهم من الأخيار ، الذين اكتسبوا بأعمالهم الظاهرة والباطنة الاختياريّة خيريّة كبرى .