* وذكر اللّه عزّ وجلّ أنّه أخلصهم ، أي : اصطفاهم ونقّاهم من الشوائب ، بسبب خصلة وعبادة خالصة منهم للّه عزّ وجلّ ، هي حضور الدّار الآخرة دواما في ذكراهم ، وكانت هذه الذكرى هي الموجّهة لكلّ تصرّفاتهم في الحياة الدّنيا ، فقال اللّه تعالى بشأنهم :
*
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ
( 46 ) :
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ :
أي : إنّا بعظمة الرّبوبيّة وجلالها اصطفيناهم ونقّيناهم من الشوائب .
بِخالِصَةٍ :
أي : بسبب خصلة وعبادة خالصة منهم لنا .
ذِكْرَى :
اسم للتذكّر هنا .
ذِكْرَى الدَّارِ :
عطف بيان أو بدل من « خالصة » أي : وهذه الخصلة الخالصة النقيّة من الشوائب ، هي الاشتغال بتذكّر الدار الأخرة دواما ، إذ هي الدار الجديرة بأن تكون هي الدّار الّتي تشغل ألباب أولى الألباب ، وذكرى الدار الآخرة دواما يدفع إلى العمل للظفر بأسمى المراتب وأعلى الدّرجات في جنّات النعيم فيها .
إنّ الدّار الآخرة هي الدّار الجديرة بأن تعرّف ب ( ال ) التي للكمال ، أمّا دار الحياة الدّنيا ، فالحياة فيها حياة قليلة ضئيلة منغصة بالأكدار ، وفانية سريعة الزّوال ، وهي لا تستحقّ أن توصف بشيء يشعر بكمالها أو بالثناء عليها .
فمن كان من أولي الألباب أحضر الدار الآخرة في ساحة التذكّر لديه دواما ، مع كلّ توجّه لعمل من أعماله الظاهرة والباطنة ، الفكريّة والنفسيّة والقلبيّة والجسديّة ، وهذا يجعل توجّهه منحصرا في ابتغاء مراضي اللّه ، والابتعاد عن مساخطه ، وفي اختيار الأكثر ثوابا عنده ، والأرفع منزلة لديه ، والأكثر قربا منه .