الخبث فيعزلونه ، ويصطفون الخالص من المعدن ، ومن هذا أطلق العرب لفظ « الفتنة » ومشتقّاتها على الإحراق بالنار ، أو العرض على النار ، سواء أكان للاختبار والامتحان ، أم كان للتعذيب والإكراه على فعل أمر أو ترك أمر .
ولمّا كانت الأشياء المحبوبة المرغوبة للنفوس إذا امتحن الإنسان بها مال إليها ، وتعلّق بها ، كالنّساء والأموال والبنين ، فتنكشف بالامتحان استقامته ، أو ميله وعجزه عن المقاومة ، أطلق العرب عليها أنّها فتنة .
وكذلك الأشياء المكروهة الّتي تنفر النفوس منها ، وتميل عنها ، تسمّى « فتنة » أيضا ، باعتبارها من الأشياء التي يحصل بها الامتحان .
وأطلق العرب « الفتنة » على مجرّد الميل والإعجاب . وقالوا : « فتن فلان » إذا ذهب عقله بالشيء الذي فتنة فمال إليه .
وقالوا : فتن فلان ، وافتتن ، وافتتن ، إذا لم يصمد في الامتحان ، بل سقط فيه ، ولم تظهر من معدنه القوّة ولا الاستقامة تجاه ما امتحن به .
فبالتوسّع أطلقت الفتنة ومشتقّاتها على وسيلة الامتحان ، وعلى العرض على النار ، وعلى الإحراق بها ، وعلى السّقوط في الامتحان وعدم النجاح ، وهو من إطلاق السّبب على المسبّب ، أو من إطلاق الوسيلة على إحدى الغايتين فقط ، وهي السقوط والخيبة .
فمعنى قول اللّه تعالى :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ :
ولقد امتحنّا سليمان واختبرناه وابتليناه ، وجاء التأكيد بعبارة :
لَقَدْ
لدفع توهّم أنّ الأنبياء والمرسلين لا يمتحنون بسبب العصمة الّتي عصمهم اللّه عزّ وجلّ بها ، بل يمتحنون بشدّة ، ولكن في حدود مرتبتي الأبرار والمحسنين ، لا في حدود مرتبة المتّقين ، إذ هم في حدود مرتبة المتقين معصومون ، وعلى النّاس أن يتأسّوا بهم فيها .