بعد بيان الموقف الحركيّ الماديّ لأئمة الشّرك والكفر في مكّة ، والموقف الفكريّ ، في الطّور الّذي وصلوا إليه إبّان نزول هذه السّورة ، كان من الحكمة متابعة معالجتهم بالإقناع وبالترهيب . وكان من الحكمة معالجة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا به واتّبعوه ، بأنّهم سيواجهون مضطّهديهم ، ومهدّديهم بالحرب ، في معارك قتاليّة ، وسيكونون هم المنتصرين عليهم ، وسيكون هؤلاء الذين هم الآن في عزة وشقاق هم المهزومين والمغلوبين .
* قول اللّه تعالى :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي
أي : بل هم في شكّ من القرآن الّذي أنزله على محمد ، والّذي هو بياني الذي يجب عليهم أن يذكروه آنا فآنا ، ليحيوا في ذاكرتهم مطلوباتي منهم في رحلة امتحاني لهم .
يشعر حرف
بَلْ
بمحذوف مطويّ في الكلام بين قوله تعالى حكاية لمقولتهم :
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ؟ ! !
وبين قوله تعالى في العلاج :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي
فما هو هذا المحذوف المطويّ ؟
جاء في صدر السّورة القسم بالقرآن ذي الذّكر على أنّ الرّسول محمدا صادق فيما يبلّغ عن ربّه ، وفي هذا القسم توجيه لتدبّر القرآن نفسه ، دون النظر إلى مبلّغه ، فهو بيان عظيم يجب أن يدرس ويفهم بحدّ ذاته ، دون النظر إلى النبيّ المختار لإنزاله عليه ، بسبب ما فيه من سموّ وكمال وبيان معّجز لا يستطيع أن يأتي به ولا بمثله بشر ، وهذا كاف لأن يؤسّس الاقتناع في الأفكار والقلوب الواعية ، بأنّه ليس كلام بشر ، وإنّما هو تنزيل من لدن عزيز حكيم ، ربّ السّماوات والأرض ، وربّ كلّ شيء .
فلو أنّ الناس وجدوه في صندوق ، أو في حفيرة ، أو في جبّ ، أو في صحراء ، أو في مغازة ، أو على جبل لكان عليهم بعد قراءته ، وتدبّر ما جاء فيه أن يؤمنوا بأنّه منزّل من عند اللّه بوسيلة ما .