تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
وتدلّ عبارة :
الَّذِينَ كَفَرُوا
على أنّ هؤلاء قد كان تكذيبهم للرسول ودعوته ناشئا عن ستر أدلّة الإيمان ، وستر شواهد الحقّ الّتي ظهرت لهم ، ودفنها ، لأنّ أصل الكفر الدّفن والسّتر . والكفر هو جحود الحقّ مع العلم بأنّه حقّ . * قول اللّه عزّ وجلّ :
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
( 3 ) . إنّ الموقف العدائيّ الّذي تطوّرت إليه مواقف أئمة الشّرك والكفر في مكّة ، إذ وصلوا إلى حالة من هو في عزّة وشقاق ، يلائمه من العلاج تذكيرهم بما كان من اللّه العزيز الحكيم القهّار ، من إهلاك أمثالهم ومن كانوا أشدّ منهم قوّة من كفّار القرون الأولى . فجاءت هذه الآية متضمّنة هذا العلاج الحكيم .
كَمْ
هذه « كم » الخبريّة ، ومعناها عدد كثير ، وهي في محل نصب على أنّها مفعول به مقدّم على عامله ، والتقدير : عددا كثيرا من الأمم ، أهلكنا من قبلكم .
أَهْلَكْنا
أي : إهلاكا جماعيا عقابيا في الحياة الدنيا ، وجاء في هذه العبارة استعمال ضمير المتكلّم العظيم ، لأنّ موضوع الإهلاك الجماعيّ العقابيّ يلائمه الإشعار بعظمة الرّبوبيّة وسلطانها وجبروتها وقهرها وجليل حكمتها . أي : عددا كثيرا من كفّار أهل القرون الأولى أهلكناهم من قبل هؤلاء الذين وصلوا إلى طور من هم في عزّة وشقاق ، وذلك حينما وصلوا مع رسل ربّهم إلى طور استخدام القوّة المسلّحة لقمعهم واضطهاد الذين آمنوا بهم واتّبعوهم ، والتنكيل بهم ، بغية إطفاء أنوار الدّعوة الرّبّانيّة بالقوّة ، والتخلّص المادّيّ من الرّسل . وهذه الآية تشعر بأنّ من سنن اللّه الدائمة في الأمم ، أن يهلك الأقوام الذين يصلون إلى طور الميؤوس من استجابة فئات منهم حينا فحينا لدعوة رسل