وأبان اللّه عزّ وجل بقوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
أنهم سيكونون جمعا ولا يكونون جميعا ، لأنهم عندئذ لا يكونون على رأي واحد ، ولا على هدف واحد ، ولا على قلب واحد ، فالجمع يطلق على أي عدد مجتمع ، ولو كانت أفراده متنافرة ، وليس بينهم جامعة تربطهم بقوة .
يقال لغة : هزم العدوّ ، أي : كسرت شوكته وغلب .
وإذا صحّ أنّ هاتين الآيتين ( 44 - 45 ) من التنزيل المدني ، فإنّ ضمّهما إلى سورة ( القمر ) يشعر بأنّ كبراء مشركي مكّة جعلوا يردّدون قولهم :
نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
قبيل نزول هذه السّورة ، وأخّر اللّه عزّ وجلّ إنزال البيان حولها ، وبشارة الرّسول والمؤمنين بالنصر إلى العهد المدني ، أخذا بحكمة كتمان التدبيرات الحربيّة ، إذ إنّ سماع المشركين في العهد المكيّ قول اللّه عزّ وجلّ :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
( 45 ) قد يشعرهم بأنّ خطّة الرّسول تعتمد على تدبير أمور حربيّة مستقبليّة ، ويجري الإعداد لها سرّا ، فيعملون على مبادرتهم بحرب الرسول والمؤمنين ، قبل أن يعدّوا لحربهم ما يلزم من إعدادات .
ويظهر أنّ نزولهما في العهد المدني قد كان قبل غزوة بدر الكبرى فقد صحّ أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من العريش يوم بدر ، وهو يثيب في الدّرع ويقول :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
( 46 ) .
وأمّا ما روي عن مقاتل من أنّ الآية ( 46 ) من التنزيل المدني أيضا مع الآيتين ( 44 و 45 ) فمعارض بما صحّ عن عائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها .
* روى البخاريّ بسنده عن يوسف بن ماهك ، قال : « إنّي عند عائشة أمّ المؤمنين - رضي اللّه عنها - إذ جاءها عراقيّ فقال : أيّ الكفن خير ؟
قالت : ويحك ، وما يضرّك ؟ .