إنكارهم الشّديد أن يكون هذا الواحد منهم ، وهو صالح عليه السّلام ، مختارا اختيارا خاصّا من بينهم من قبل اللّه عزّ وجلّ ، للنّبوّة والرّسالة ، ولإلقاء الذّكر عليه ، وهو الكتاب الرّبّانيّ ، المطلوب منهم أن يتلقّوه ويتفهّموا دلالاته ، ويحفظوه ، ويذكروا أوامره ونواهيه ووصاياه عند المناسبات الداعيات ، ليعملوا بها .
ولا يخفى على المتدبّر أنّه قد حصل الاستغناء ببيان إلقاء الذّكر عليه ، عن التصريح بالتعجّب من اختياره للنّبوّة والرّسالة ، نظرا إلى أنّه لا يلقى الذّكر الرّبّانيّ عليه ، إلّا بعد اصطفائه بالنّبوّة والرّسالة .
وهذا الاستفهام التعجّبيّ الإنكاريّ من قادة ثمود ، الدّالّ على معنى إنكار نبوّته ورسالته ، يتضمّن إشعارا بأنّ غيره من كبراء قومه أحقّ منه بذلك ، فليس من المعقول أن يختاره اللّه بالخصوص من بين من هم أحقّ بذلك من قومه ، في زعمهم ومفاهيمهم الطّبقيّة الاستكباريّة .
إنّ تصوّراتهم الباطلات في حدود مفهوماتهم المرتبطات باعتبارات دنيوية ، تجعل حقّ الامتياز في القوم لأهل المال ، أو أصحاب العزوة والجنود والأنصار ، أو أرباب الأنساب والأمجاد والمفاخر المتوارثة في الأعراق وفي الأسر ، وهذه كلّها تصوّرات ومفهومات باطلات لا وزن لها في ميزان الحقيقة .
إنّ اللّه عزّ وجلّ لا ينظر إلى هذه الاعتبارات الّتي لا ترفع في الحقيقة قيمة الإنسان عنده ، إنّما ينظر جلّ جلاله إلى قيم الفضائل الذّاتيّة ، والفضائل الإراديّة في التزام الحقّ وسلوك سبيل الهدى والخير والكمال ، في الإنسان الذي يصطفيه لنبوّته ورسالته ، وهو جلّ جلاله أعلم بعباده وما في قلوبهم مما يؤهلهم للاصطفاء ، أو لا يؤهّلهم له ، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة الأنعام / 6 مصحف / 55 نزول ) :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 385
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٨٥