تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
بفنّيّة بديعة جاء البيان الموجز عن إهلاك عاد محصورا بحاصرين متماثلين ، كقوسين نضعهما في كتاباتنا المعاصرة للتّمييز والتّنبيه ولفت النظر ، لكنّ أقواسنا خطوط رمزيّة لا معنى لها في ذواتها ، أمّا الحاصران المتماثلان في هذا البيان الموجز فقد جاءا في جملة كلاميّة تنتزع الاعتراف بصيغتها الاستفهاميّة ، وتوجّه للعظة والاعتبار والادّكار ، وهي قول اللّه عزّ وجلّ :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ؟
قبل عرض اللقطات المختارات من مشهد إهلاكهم ، وبعد عرضها ، فما كان قبل عرضها فهو توطئة لتقديم الجواب ، ويتبعه بيان كيف كان العذاب وكيف كانت عاقبة النذر ، وما كان بعده فهو لانتزاع الجواب من المتلقي ، وهذا الاستفهام استفهام تقريري يوجّه لانتزاع الاعتراف بعظمة العذاب ، وصدق أنباء النّذور ، ( أي : الإنذارات ) . والمعنى : فعلى أيّ حال كان عذابي لقوم عاد ؟ وعلى أيّ حال كانت نذري لقوم عاد ؟ وقد سبق آنفا تحليل هذه العبارة . وبين هاذين الحاصرين جاء قول اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
( 20 ) . جاء تأكيد هذا النبأ بمؤكّدين : « إنّ » والجملة الإسمية ، لأن المقصود بالخطاب المكذبون . الرّيح الصّرصر : هي الرّيح الشديدة البرودة ، القويّة السّريعة ، الّتي تصطدم بالأشياء ، فتنطلق بها أصوات يتواتر فيها ما يشبه حرفي الصّاد والرّاء ، فسمّيت صرصرا . في يوم نحس : أي : في يوم جهد وضرّ وعذاب وشدّة وآلام ،