القضيّة السّادسة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ
( 14 ) في هذه العبارة إضافة بيان يدلّ على الغاية الجزائيّة من هذا الاهتمام الشديد بحفظ سفينة نوح عليه السّلام كل هذا الحفظ ، إنّها مكافأته بثواب معجّل له ولمن معه في الحياة الدّنيا ، جزاء كونه جاهد في اللّه حقّ جهاده في دعوته إلى اللّه ، فكفر من قبل قومه .
كفر : أي : جحد وكذّب .
لم يأت في هذه العبارة : جزاء لنوح ، وإنما جاء فيها : جزاء لمن كان كفر ، لبيان أنّ الجزاء لوحظ فيه كونه كفر ، أي : أمّا صالحاته الأخرى ومجاهداته من أجل ربّه فجزاءها فوق ذلك يوم الجزاء الأكبر ، وقد تكون عبارة
لِمَنْ كانَ كُفِرَ
تعمّ من ركب معه في السّفينة ، وهم الّذين آمنوا به ، فقد كانوا دعاة إلى اللّه معه ، وكفروا من قبل قومه أيضا ، وتعرّضوا للزّجر والتهديد بالرّجم أيضا .
القضيّة السّابعة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً :
أي : ولقد تركنا فلك نوح آية ، باقية زمنا طويلا من بعده ، لتكون علامة على حادثة الطوفان ، ومذكّرة بقصّة نوح عليه السّلام وقومه ، وشاهدا على عقاب اللّه عزّ وجلّ للمكذّبين الظالمين الطّغاة ، وعبرة لمن يعتبر ، وذكرى لمن يدّكر .
جاء في صحيح البخاري ، قال قتادة : بقيت بقايا السفينة على الجوديّ ، حتّى نظرتها أوائل هذه الأمّة .
وقد رأى هذه الآية من رآها ، وسمع بها من سمع ، وظلّت الأمم تتوارث خبر طوفان نوح عليه السّلام .
وهذه العبارة :
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً
مع دلالتها على ما تقدّم شرحه فهي أيضا كناية عن وصولها إلى مستقرّ ملائم ، ونزول نوح عليه السّلام