تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
ولم يأت التّعبير عن هذه المركبة البحريّة في هذا النّصّ باسم السفينة ، أو الفلك ، وإنّما جاءت الكناية عنها بذكر الأشياء الأساسيّة التي صنعت منها ، وهي الألواح الخشبيّة الّتي أعدّها نوح النجّار الماهر بنفسه ، متّبعا إرشادات الوحي الرّبّاني له ، والدّسر . الدّسر : هي المسامير التي تثبّت بها الألواح بعضها ببعض ، وهي أيضا الخيوط والحبال اللّيفيّة الّتي تشدّ بها الألواح بعضها إلى بعض . وقد يصاحب ذلك غمس الألواح والدّسر بما يمنع تسرّب الماء إلى داخل السفينة ، ولا ينتحلّ بالماء كالزّفت ونحوه . ومن الإلماح البلاغيّ البديع الكناية عن الشيء بذكر بعض الموادّ التي يتألّف منها ، فهذه الكناية وأمثالها ممّا يرضي ويمتع ذكاء أصحاب الذوق الأدبيّ الرّفيع . القضيّة الخامسة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا . . . :
أي : وهذه المركبة التي حملناه ومن معه عليها ، ذات الألواح والدّسر ، من صفاتها السّببيّة أنّها تجري على الماء ، ومن صفاتها المحاطة بعنايتنا - على الرّغم من كونها عملا بدائيّا في صناعة الفلك يحملها بحر من الماء عظيم متلاطم الأمواج - أنّها تجري بأعيننا ، أي : تجّري محفوفة بأكمل الحفظ والرّعاية والحماية من أيّ شيء يضرّها أو يؤذيها ، أو يعرّض راكبيها لأيّ خطر أو ضرر . إنّ العين فيما يعلم الناس أرق وألطف حاسّة تحفظ من أقلّ الأقذاء وأصغرها ، وهي أكمل حاسّة للمراقبة تحيط إحاطة شاملة بما تراقبه لحفظه ، فإذا كانت مركبة نوح عليه السّلام تجري بأعين اللّه الرّبّ القدير على ما يشاء ، فذلك يدلّ على أنّها في غاية الحفظ والرعاية والحماية والمراقبة التّامّة لكلّ حركة من حراكاتها على توالي اللّحظات ، وأصغر الأجزاء الزمنيّة .