ولا مانع أيضا من اعتبار « عيونا » نائبا مناب مفعول مطلق مبيّن لنوعه ، والتقدير : وفجّرنا الأرض تفجيرا عيونا ، أي : فنوع التفجير كان ببعث العيون المتدفّقة ، ونظيره : خطت القماش سراويل ، وقطّعت اللّحم إربا إربا .
ولا شكّ أنّ إبقاء النّصّ موحيا بدلالته الأدبيّة البلاغيّة الرائعة خير من التأويل الذي يلغي منه هذه الدلالة .
القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجل :
فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
( 12 ) : أي : فالتقى دون تراخ في الزمن الماءان : الماء المنهمر من السّماء ، والماء المتفجّر عيونا من الأرض ، على أمر من أمور اللّه الحكيمة ، قد قضي بقضاء اللّه ، بعد أن قدر بتقديره لكل عناصره وصفاته .
وجاء الاستغناء بلفظ الأمر عن القضاء ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لا يأمر بأمر إيجاد أو إعدام إلّا إذا قضاه وبتّ القرار به ، فالأمر بقول : « كن » من العزيز القهار ، تابع للقضاء ، وقضاء اللّه جلّ جلاله مسبوق بتقديره لكلّ صغير وكبير ممّا قضاه وفق حكمته وعلمه سبحانه .
فاقتضت الحكمة البيانيّة الإعلام بأنّه قد قدر ، وجاء ختم الجملة بعبارة
قَدْ قُدِرَ
مناظرا لرؤوس الآيات في هذه الفقرة ، وبفنّيّة رائعة ، فيها إيجاز وإبداع ، ووقع محبّب على الأسماع .
وجاء فعل
قُدِرَ
مبنيّا لما لم يسمّ فاعله إيجازا ، للعلم به بداهة ، إذ لا أحد يقدّر مثل هذه المقادير إلّا اللّه عزّ وجلّ . وجاء مؤكّدا بلفظ
قَدْ
الدّالّ على تحقق ثبوت الخبر الذي تضمّنه البيان ، لرفع توهّم أنّ ما حدث ظاهرة من الظواهر الكونيّة الطبيعيّة ، كما يزعم الدهريّون الطبيعيون .
أي : نؤكّد لكم أنّ انهمار الماء من السّماء ، وتفجّره من الأرض عيونا أمر قد قدر بالتقدير الدقيق الحكيم الشّامل لكلّ الدّقائق والتفاصيل ، قبل الأمر