به إيجادا ، وقبل قضائه وإمضائه ، وظاهر أنّ خبرا من هذا القبيل يحتاج تأكيدا ، لدفع الأوهام والشّكوك .
فما هي الغاية من الأمر العظيم الّذي قد قدر والتقى الماء على تحقيقها ؟
إنّ الذّهن ليستدعيها بداهة ، ولو لم تذكر في النصّ ، إنّها إهلال كفّار قوم نوح الّذين كذّبوه ، وزجروه ، وتوعّدوه بأن يرجموه إذا لم يكفّ عمّا هو فيه من دعوة إلى دين ربّه مجاهدا مجادلا .
وفي عبارة :
فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
من إبداع وفنيّته ما يثير قمّة العجب ، إذ لم يأت التعبير عن أهلاك قوم نوح بالأسلوب المباشر ، بل بالرّمز والإشارة واللّمح ، واقتضى التّعبير بانهمار الماء من السّماء ، وتفجيره من الأرض عيونا ، استدعاء التساؤل عن الرابط بين الماءين ، والتّساؤل عن الغاية من ذلك ، فجاء البيان على مقدار تشوّف نفس المتلقّي وتساؤلها ، أي : إنّ التقاء الماء المنهمر من السّماء ، والماء المتفجّر من الأرض ، قد كان على أمر قد قدر ، فهما آيتان عظيمتان من آيات اللّه التقتا على تحقيق أمر من أمور اللّه قدره اللّه وقضاه ، وأنجز تنفيذه بالتكوين .
أمّا بيان هذا الأمر فلا لزوم للتصريح به :
* ألم يدع نوح ربّه ، أنّي مغلوب فانتصر ، وقد انتصر اللّه له ، فعلى من ينتصر ؟ وماذا يحقّق في هذا الانتصار ، إذا ملأ الأرض ماء بما أنزل من السّماء وبما فجّر من الأرض ؟
لا شكّ أنّه إهلاك كفّار قوم نوح الّذين كفروا وظلموا وطغوا ، بالطوفان الذي كانوا فيه مغرقين .
القضيّة الرابعة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ
( 13 ) :
أي : وحملناه لننجيه ومن آمن معه على مركبة بحريّة تطفو على الماء ، وتجري فيه .