والفعل في الآية هنا على التعدية .
مِنَ الْأَنْباءِ :
الأنباء جمع « النّبأ » وهو الخبر ، واشتقاقه من نبأ الشّيء ، إذا ارتفع وظهر ، ففي الأنباء من عموم الأخبار ما يلفت الأنظار إليها ، لارتفاع مضامينها ، ولأهميّتها ، وكذلك أخبار الأوّلين التي جاءت في القرآن ، فهي ذوات بروز وأهمّيّة ، لما فيها من عبر وعظات جليلات .
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ :
أي : ما فيه ازدجار ، على أنّ « مزدجرا » مصدر ميمي ، وهذا أحسن الوجوه ، وأبعدها عن التكلّف ، والمعنى ما فيه كفّ وامتناع ، فعله « ازتجر » على وزن « افتعل » مطاوع فعل : « زجره » وهو مثل « انزجر » في المعنى ، تقول : زجرته فانزجر ، وازتجر ، وتقلب تاء « افتعل » دالا ، بعد الزاي ، والدّال ، والذّال ، وبهذا صار فعل « ازتجر » بصيغة « ازدجر » والمصدر الميمي منه مزدجر .
الزّجر : الكفّ ، والمنع ، والنهي ، والنّهر .
والازدجار : الامتناع والامتثال للزواجر .
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ :
بدل من « ما » في عبارة :
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ .
أي : إيراد أنباء الأوّلين التي فيها مزدجر لمن يتلقّاها بوعي وعقل ورشد ، هو من أساليب الدّعوة والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحكيمة جدّا ، فهي في الحقيقة حكمة بالغة غاية ما يمكن اتخاذه من أساليب حكيمة ، تدور على محوري الرّغب والرّهب في النفوس ، لما فيها من إثارة الخوف في عمق النفس إثارة تجعل العاقل الرّشيد يزدجر .
فمن كان لديه استعداد ما للتأثّر بما يحرّك في النفس مركز الخوف لديها ، وسمع أنباء الأوّلين ، وما جرى لهم من عقوبات ربّانيّة أهلكتهم إهلاكا عامّا ، لاقوا فيه عذابا أليما ، بسبب كبرهم وعنادهم وكفرهم وطغيانهم ، فلا بدّ أن يزدجر عن كفره وطغيانه ، ويقلع عن عناده وكبره .