تمكّن فيه وثبت . مستقرّ : اسم فاعل من استقر بمعنى ثبت وتمكن وقرّ في مكانه .
فما المراد بقوله تعالى :
وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ .
أقول : إذا خرجت شرذمة قليلة من الشعب على نظام الدّولة القويّة ، وجحدت سلطتها ، واتّبعت أهواءها ، وقد رتّبت الدولة لمحاسبتها ومعاقبتها يوما محدّدا لم يحن حينه بعد ، وتركت لها فرصة التّوبة وإصلاح شؤونها وطاعة الدّولة ونظامها .
وهذه الشّرذمة في خروجها على الدولة ونظامها لا تؤثّر على شيء من أمور الدولة المستقرّة الثابتة ، ولا تضرّ بأعمالها إلّا أنفسها .
ولإشعار هذه الشرذمة المتمرّدة بعدم تأثير تمرّدها على شيء من أنظمة الدّولة وأمورها الثابتة المستقرّة ، قال الرّئيس : إنّ شرذمة جحدت دولتنا ، وكذّبت مبعوثينا ، وبلاغتنا ، واتّبعت أهواءها ، فلتعلم أنّ دولتنا وأنظمتنا وكلّ أمورنا مستقرّة محميّة ، لا يؤثّر على شيء منها أيّ خارج على نظامنا ، ومتمرّد على طاعتنا ، وحين يأتي وقت الحساب والعقاب فإنّنا نأتي بكلّ خارج منهم مكبّلا بالحديد مسوقا ، ليلقى جزاءه ، وهو لا يستطيع أن يفلت منّا .
أليس هذا الكلام مناظرا لقول اللّه عزّ وجلّ بشأن الكافرين المعاندين
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
( 3 ) ؟ ؟
إننا نفهم من هذا القول ، أنّ تكذيبهم واتّباعهم لأهوائهم لا يغيّر من أنظمة الكون وقوانينه المستقرّة الثابتة شيئا ، ولا يخرج شيئا من مستقرّات أمور اللّه عن استقراره ، فلن يضرّوا اللّه شيئا .
إنهم لا يضرّون إلّا أنفسهم ، فكلّ أمر للّه في كونه ثابت مستقر ، لا يقلقله ولا يغيّره تكذيب المكذّبين ، ولا تمرّد المتمرّدين . ولا اتباعهم أهواءهم ، مهما اجتمعوا لذلك وحشدوا كلّ قواهم .