تغشي أبصارهم وبصائرهم ، أو تعميها فهم لا يرون آيات اللّه .
وإن يروها على سبيل النّدرة ، وذلك حين تكون حسّيّة وظاهرة للجميع ، فلا ينكرها إلّا أعمى أصمّ ، فإنّهم يعرضون عنها ، فيعطونها عارضهم ، وهو جانبهم ، ولا يواجهونها ، ثمّ يوجّهون النّاس للتّشكيك فيها ، فيصفونها بما يخرجها عن كونها آية حقيقيّة ، تحمل دليلا برهانيّا على صدق الرّسول في رسالته ، وفيما جاء به عن ربّه ، كأن يصفوها بأنّها عمل من أعمال السّحر ، أو أثر من آثاره .
ففي شأن أئمة الكفر من مشركي قريش ، الّذين لم يستفيدوا من معجزة انشقاق القمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يستفيدون من أيّة آية يرونها ، لأنّهم كافرون عن تصميم إراديّ ، على الرّغم من أنّهم مستيقنون داخليا من صدقه ، وصدق ما جاءهم به عن ربّه ، إذ نفوسهم وأهواؤهم وشهواتهم نافرة ، أنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية .
فالمعنى : لقد رأوا آية انشقاق القمر ، فأعرضوا وقالوا : سحركم محمد ، كما جاء في بعض الرّوايات التي سبق ذكرها .
وإن يروا مستقبلا على سبيل النّدرة آية ما ، مع التّشكيك في أن يوجّهوا أنظارهم وعقولهم لها ، يعرضوا عنها ، ويقولوا مثل ما قالوا في آية انشقاق القمر ، سحركم محمّد .
وبالتأمّل نلاحظ أنّ بين الآية الأولى : والآية الثانية . كلاما مطويّا مقدّرا ، يمكن استنباطه باللّوازم الذّهنيّة ، وتقديره كما يلي :
اقتربت السّاعة وانشقّ القمر ، فأعرض أئمّة الكفر والشّرك في مكّة عن آية انشقاق القمر ، وقالوا : هذا سحر ، وهو ديدنهم مع كلّ آية سيرونها ، إن سمحوا لأنفسهم بأن يروها ، أو غلبتهم الآية باعتبارها حسّيّة أو عقليّة قاهرة ، وإن شأنهم أن يعرضوا غير مبالين بدلالات آيات اللّه المقنعات من لديهم استعداد لقبول الحقّ واتباعه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 335
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٣٥