أيضا إلى أنّ الخالق الّذي قدر على خلقها دون مثال سبق ، قادر على خلق أمثالها ، وقادر على إعادتها إلى الوجود بعد العدم ، وعلى إعادتها إلى الحياة بعد إماتتها وإفنائها ، وبذلك تندفع أوهام المكذّبين بيوم الدّين ، إذا كان تكذيبهم قائما على شبهات .
النصّ الرابع :
قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الطارق / 86 مصحف / 36 نزول ) خطابا للإنسان المكذّب بيوم الدّين استبعادا لقضيّة الإحياء بعد الموت :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ
( 8 ) .
فأضاف هذا البيان وصفين للماء الّذي يخلق اللّه منه الإنسان :
الوصف الأول : أنّه ماء دافق ، أي : يخرج دفقا ، على طريقة القذف الموجيّ المتدافع ، لا على طريقة السّيلان ، ولا على طريقة الرّشح .
الوصف الثاني : أنّه يخرج من بين الصلب والترائب .
وقد سبق خلال تدبّر هذه السورة شرح هذه الحقيقة العلمية الّتي أثبتتها الدراسات العلميّة المعاصرة ، فأبانت التطابق بين البيان القرآني ، والحقائق العلميّة حول هذا الموضوع .
وقد جاء أسلوب البيان في هذا النّصّ على طريقة الأمر الجازم الحازم ، بالنظر في هذه الظاهرة من ظواهر الخلق :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ
والمراد النّظر التفكّريّ ، بعد أن تدرّج البيان ، من مجرّد الخبر حكاية لما أنزل اللّه عزّ وجلّ في الكتب السابقة ، إلى لفت النظر بطريقة الاستفهام الرّقيق دون مواجهة :
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى
( 37 ) فإلى الشّدّ إلى التأمّل في هذه الظاهرة ، بطريقة الاستفهام العنيف الذي فيه معنى التلويم ، مع المواجهة بالخطاب :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
( 20 ) .