تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
الحكيم العليم القدير تستلزم حتما أن يكون بعدها حياة حساب وفصل قضاء وتنفيذ جزاء ، وإلّا كانت هذه الحياة الدّنيا عبثا وباطلا ، وقد تنزّه الرّبّ العليم الحكيم القدير عن العبث والباطل . هذا ما أشار إليه قول اللّه عزّ وجل في السّورة بعد القسم :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
( 4 ) . وسبق أن قال في سورة ( التين / 95 مصحف / 28 نزول ) :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
( 4 ) . أي : وإذا كان الإنسان في أحسن تقويم وفي كبد ، فهو في رحلة امتحان حتما . ولو كانت الحياة الدنيا هي الغاية النهائيّة من خلق الإنسان في أحسن تقويم ، لكانت الحكمة تستدعي أن تخلق له ظروف حياة سعيدة لا كبد فيها ولا كدح ، كحياة أهل الإيمان والتقوى في الجنة ، فهي الحياة الّتي تتلأم مع خلقه في أحسن تقويم . وهكذا كان الإنسانان الأوّلان ( آدم وزوجه عليهما السّلام ) في أوّل الخلق ، فلمّا عصيا بالأكل من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها أخرجا من الجنة ، ووضعا هما وذرّيّاتهما في حياة الكدح والمكابدة للابتلاء ، فمن آمن وأطاع استحقّ الجنّة الّتي أعدّت للمتّقين . لكنّ هذا الإنسان قد ظهر من أفراده فريق كفر بحكمة الرّبّ الخالق ، فجحد الابتلاء والحساب وفصل القضاء والجزاء ، وأنكر يوم الدّين ، وقال : لا بعث بعد الموت ، وكذّب بيوم الدّين . ومن هؤلاء فريق نفخ الغرور في رؤسهم وصدورهم رياحا غليظة منتنة سامّة ، فطلبوا العلوّ في الأرض ، فانطلقوا يجمعون الأموال وينفقونها إنفاقا