تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
كلّ ذلك ضمن حدود استطاعته فعلا أو تركا . إنّ الرّبّ الذي خلق له ذلك لا بدّ أن يكون بحكمته قد خلقه ليمتحنه في ظروف الحياة الدنيا . وحكمة الامتحان تستتبع حتما الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، في خطّة العليم الحكيم القدير . ولولا هذه الغاية لكان أمر الخلق عبثا وباطلا ، وقد تنزّه الرّبّ الخالق العظيم عن العبث والباطل . ولمّا كانت ظروف الحياة الدنيا غير مشتملة على مرحلة الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء ، إلّا ما تقتضيه حكمة إقامة الدليل على الجزاء الأكبر يوم الدين ، فإنّ منطق العقل المستند إلى حكمة الرّبّ العليم الحكيم القدير ، يقضي بأنّه لا بدّ حتما من ظروف حياة أخرى ، يتمّ بها الجزاء الأوفى ، وهذه الحياة تكون بعد استكمال رحلة الحياة الدنيا ، واستكمال ظروف الامتحان فيها . وقد اقتضت الحكمة العظيمة ، أن يكون الموت والفناء هو البرزخ الفاصل بين حياة الابتلاء ، وحياة الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء . هذه العناصر الفكريّة قد دلّت عليها السّورة بعبارات موجزات ، تستدعي لوازم فكريّة كثيرة ، وهذه العبارات الموجزات هي بمثابة مفاتيح لأبواب وراءها جمّ غفير من المعاني الّتي توصل إليها سلاسل فكريّة مترابطة . وحين يدرك المتدبّر لهذا البيان العجيب ، ذي الدلالات الدقيقة العميقة ، الذي اشتملت عليه سورة ( البلد ) تتولّد لديه قناعة تامّة بأنّ القرآن المجيد ، حين يوجّه بيانه شطر أئمة الكفر ، فينسف أوهامهم نسفا ، ويقيم عليهم الحجّة الدامغة ، فإنّه يقدّم الإقناع الضّمنيّ لأتباعهم الّذين ليس لهم مقالات تعرض لإسقاطها ، ولبيان فسادها ، إنّما يردّدون مقالات أئمّتهم ، فإذا