مستهلكا لها ، في إعداد القوى الّتي تجعلهم بين الناس أقوياء أعزّاء غلّابين لمنافسيهم ، أو تجعلهم يتصوّرون ذلك ولو لم يكونوا في الحقيقة كما تصوّروا .
والواحد من هؤلاء حين يتملّكه الغرور بالقوّة الّتي تشعره بالتفوّق على منافسيه من الناس ، يزيد انتفاخا وغرورا ، فيزعم أنّه لا توجد قوّة غيبيّة عن عالم المشهود تقدر عليه لا في الحال ، ولا في الاستقبال .
ومن هؤلاء فريق حسّيّون مادّيّون أغبياء ، يتوهّمون أنّ ما لا يحسّون به في مدى إحساساتهم ، لا وجود له ، فأقوالهم وأعمالهم ونيّاتهم لا يطّلع عليها أحد من عالم الغيب ، فلا محاسب لهم ، ولا مجازي لهم ، مهما طغوا وبغوا وظلموا وأجرموا وتجبّروا .
فالواحد من هؤلاء الحسّيّين الحمقى يغشّي الغرور على بصيرته وبصره ، فيتوهّم أنّ أحدا من عالم الغيب لم يره ، ولم ير طغيانه وظلمه ، وفواحشه ، وأنّه إذا استخفى ضمن مخابئه ، ومارس في حجبها قبائحه ورذائله وفواحشه وشروره وخبائثه ، فإنّ أحدا لم يره من عالم الغيب .
وتوهّمه هذا يجعله مطمئنّا آمنا من حساب ، وفصل قضاء ، وتنفيذ جزاء ، فهو غير متابع بعقاب من قوّة قاهرة ، هي قوّة العليم الحكيم القدير الرّبّ الخالق عزّ وجلّ .
هذا هو توهّم المادّيّين الحسّيّين الحمقى من أهل الغرور ، الّذين لا يتفكّرون بدلائل ما خلق اللّه في أنفسهم ، وفيما خلق اللّه من كلّ شيء من حولهم .
إنّ الّذي خلق له عينين يرى بهما ، فأعطاه طرفا من كمال مشاهدة الأشياء ، لا بدّ أن يكون بصيرا يراه ، ويعلم ما تكنّ نفسه ، وهو سبحانه قادر على أن يخلق ملائكة يراقبون الإنسان ويعلمون ما يفعل ، يرونه من
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 214
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢١٤