دلّ على هذا التخاصم المطويّ الذّي لم يأت في النّصّ تصريح بأقوال أيّ من المتخاصمين ، قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التالية :
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
( 28 )
أي : قال اللّه عزّ وجلّ للّذين يتخاصمون لديه من كفّار الإنس وقرنائهم من شياطين الجنّ : لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد . أي : فكل واحد منكم يناله من العقاب على مقدار جرائمه الّتي ارتكبها في الحياة الدنيا ، فلا تزر وازرة وزر أخرى ، فمن كفر من الإنس وطغى وأجرم فقد اكتسب خطاياه وهو حرّ الإرادة ، يملك الأهليّة التامّة للتكليف والمسؤوليّة وتحمّل النتائج . ومن كفر وأغوى من شياطين الجنّ ووسوس بالشرّ ، وسوّل مطمعا بالباطل ، فقد اكتسب خطاياه ، وهو حرّ الإرادة ، يملك الأهليّة التامّة للتكليف والمسؤوليّة وتحمّل النتائج .
وقانون الحساب ، وفصل القضاء ، والجزاء ، وما تضمّن كلّ ذلك من وعيد ، قد كان مبيّنا مفصّلا فيما أنزلت من كتاب ، وفيما بيّنه وشرحه رسولي .
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 29 ) .
أي : إنّ القول الذي سبق منّي في بيان تكاليف الدّين ، وفي بيان الوعيد الذي قرّرته حتما على الكافرين والمجرمين ، لا تبديل له ، فلا مطمع لأحد بأن يجد لنفسه مخرجا ، أو معاذير يعتذر بها ، أو جدليّات يخاصم بها ، سواء أكان من الإنس أم من الجنّ .
وفي تنفيذ وعيدي لا أظلم عبيدي مثقال ذرّة .
قد يسأل سائل : لماذا جاء في النصّ استعمال « ظلّام » وهو من صيغ المبالغة ، ونفي كونه ظلّام لا يقتضي نفي كونه ظالما ؟ !
أقول : جاء في القرآن بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يظلم مثال ذرّة .