تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 660

مساهمون:

ص٦٦٠
وبين القراءتين تكامل في أداء المعنى : فالفعل المشدّد الطّاء يدلّ على حالة كثرة جماعة الطّير الّتي تتخطّفه ، وهذه تصوّر شدّة التّمزّق النّفسيّ لدى بعض المشركين . والفعل المخفّف الطاء يدلّ على الحالة العاديّة الّتي لا تكون فيها كثرة من جماعة الطّير الّتي تخطفه ، وهذه تصوّر حالة التمزّق النفسيّ غير المشدّدة لدى بعض المشركين ، إذ المشركون مختلفو الدّركات في الشرك . وقد أبان هذا النّصّ ، أنّ من وظائف الرّيح أن تساعد على دفع من خرّ من السّماء ، باتّجاه جاذبيّة الأرض ، فتزيد من هويّه ، وتوجّهه بعيدا عن الأماكن المرتفعة الّتي قد تخفّف من قوّة اصطدامه بالأشياء الصّلبة ، الّتي يقع عليها ، لتهوي به في مكان سحيق . وهذا يكون في نوع الرّيح الّتي تأتي من علو إلى سفل ، مائلة عن المرتفعات إلى الوديان السحيقة . وعكسها الرّياح الّتي تحمل السّاقط فترفعه إلى الأعالي قليلا أو كثيرا ، وتدنيه من المرتفعات ، فتخفّف من شدّة صدمته وهو ساقط ، وقد تكون سببا في إنقاذه . والآية تصوّر حالة التمزّق النّفسيّ لدى المشركين ، وعاقبتهم التعيسة الّتي توصلهم إلى العذاب الحتميّ . وتصوّر أنّ الإيمان في موقع السّموّ والعلاء ، وأنّ الشّرك الذي هو أخفّ أنواع الكفر هو بمثابة من يخرّ من السّماء ، فيتعرّض إلى عذاب التمزّق وهو يخرّ ، وإلى عذاب المصير ، حين يصل إلى عاقبة الجزاء ، بعد رحلة الابتلاء . وبهذه النظرة التّتبّعيّة للنّصوص القرآنيّة حول الرّياح ، ظهر لنا أنّ الرّياح ذوات وظائف دنيويّة ، ضمن أنظمة سببيّة ربّانية ، وذوات وظائف