ما سوف يكون للمتقين في جنّات النعيم ، وهذا الاستقطاع من أحداث المستقبل ، وتقديمه في البيان الحاضر ، من الفنون البيانيّة القرآنيّة البديعة .
ويفهم عن طريق اللّوازم الفكريّة ، أنّ المتقين في جنّات النّعيم يقال لهم هذا القول على سبيل التكريم .
أي : كلوا ممّا تشتهون من الفواكه ، واشربوا ممّا يلذّ لكم من العيون ، بإباحة تامّة لا حجر معها ولا غصّة ، حالة كون ما تأكلون وما تشربون هنئيا .
هَنِيئاً
أو [ هنيّا ] : أي : سائغا لذيذا . يقال لغة : هنيء الطعام أو الشراب يهنأ هنأ وهناءة ، أي : ساغ ولذّ .
السائغ : هو الذي يمرّ في الحلق سهلا طيّبا مستمرا .
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
: أي : بسبب ما كنتم تعملون في الحياة الدّنيا من عمل صالح مستند إلى إيمان صحيح صادق ، ومصحوب بابتغاء مرضاة ربّكم .
في هذه العبارة زيادة تكريم لأهل دار النعيم يوم الدين ، مع التذكير بصدق وعد اللّه الكريم ، فالإشعار بأنّ ما هم فيه قد تحقّق لهم بسبب ما كانوا يعملون ، فيه غاية المبالغة في تكريمهم ، مع أنّ ما هم فيه إنّما هو بفضل اللّه عليهم ، أمّا أعمالهم في الحياة الدنيا فهي لا تكفي لشكر ما أنعم اللّه عليهم به فيها ، ودخولهم الجنّة ونعيمها قد كان بمحض فضل اللّه عليهم .
ونظير هذا - وللّه المثل الأعلى - أن يضع الملك أو صاحب فضل عظيم ، جائزة كبيرة جدّا ، لصاحب الجواد الفائز في حلبة السّباق ، أو لصاحب أجمل قصيدة غزليّة ، أو لأوّل داخل إلى مائدته وآكل منها .