تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
وهو يحكي في يوم الحياة الدنيا ما سوف يخاطبون به بعد حسابهم ، وفصل القضاء بشأنهم ، والحكم عليهم بالخلود في عذاب النار ، حيث منازلهم في أعماقها ، حتّى الدّرك الأسفل منها . وفنّ الاقتطاع هذا من الأساليب القرآنيّة البديعة ، الّتي تعتمد على عرض صورة المشهد الّذي سوف يكون مستقبلا ، كأنّ الحدث واقع الآن ، للإشعار فكريّا بأنّه سوف يتحقّق حتما ، ولإعطاء المشهد صورة أمر واقع الآن ، ففي هذا من الإمتاع ما في المشاهدة الفعليّة لدى وقوع الحدث . ولم يكن هذا الأسلوب البيانيّ من الفنون المعروفة لدى البلغاء إبّان نزول القرآن . واكتشفه في عصرنا الحاضر صانعوا الأفلام الّتي تحكي الوقائع والأحداث ، ولا سيما المبدعون منهم . وقد جاء خطاب الحكاية هذا عقب خطاب المكذّبين وهم في حياة الابتلاء ، في يوم الحياة الدنيا ، بتقديم الأدلّة الدافعة لشبهاتهم ، حول قضيّة البعث للحياة الأخرى ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء . إنّ هذا الخطاب الذي ينتقل بصورة مفاجئة من واقع حياة الابتلاء ، إلى مشهد مقتطع ممّا سوف يكون في يوم الجزاء ، فنّ جميل بديع ، من فنون الأدب الرّفيع جدّا ، وهو من عناصر إعجاز القرآن . لقد فاجأ اللّه عزّ وجلّ المكذّبين بالآخرة ، فخاطبهم كأنّهم الآن في يوم الدّين ، ووصف لهم بهذا الخطاب المكان السّحيق المعدّ لتعذيبهم في جهنّم ، وهو وادي « ويل » . ووصف لهم قاع هذا الوادي الّذي سوف يكونون فيه ، بعد حسابهم ، وقرار معاقبتهم . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 29 إلى 34 ] انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 34 ) * قول اللّه تعالى :
انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 34 ) .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 586 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني